بيان حكمة خلق شجرة الزقوم وكونها ابتلاء واختباراً للظالمين في الدنيا وعذاباً في الآخرة؛ حيث يخبر سبحانه أن ذكره لشجرة الزقوم كان فتنة ومحنة لكفار قريش؛ فكذبوا بها وسخروا وقالوا مستهزئين: كيف تنبت شجرة في أصل النار والنار تحرق الشجر؟ فازدادوا بها كفراً وعناداً، وجعلها الله عذاباً وخزياً لهم في الآخرة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 73)جامع البيانالطبري٢١/٧٣: «يقول تعالى ذكره: إنا جعلنا شجرة الزقوم فتنة للظالمين؛ يعني: محنة واختباراً للمشركين في الدنيا وعذاباً لهم في الآخرة؛ وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم قالوا مستهزئين: يخبرنا محمد أن جهنم توقد بالحجارة ثم يزعم أن الشجر ينبت فيها والنار تأكل الشجر! فأنزل الله تكذيبهم وبيان قدرته».
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «لما ذُكرت شجرة الزقوم قال أبو جهل: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: هي عجوة يثرب بالزبد، تزقموا منها! فأنزل الله تكذيبهم وسفه عقولهم».
وقال ابن كثير: «أي جعلناها مضلة واختباراً لمن ضل كفره؛ فقالوا كيف تنبت الشجرة في النار والنار تحرق الحطب؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها.
{جَعَلْنَاهَا}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والهاء مفعول به أول يعود على شجرة الزقوم.
{فِتْنَةً}: مفعول به ثانٍ لـ «جعلنا» منصوب بالفتحة الظاهرة. والفتنة: الاختبار والمحنة الشديدة، والضلال، والعذاب.
{لِّلظَّالِمِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «فتنة»، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والمراد بهم المشركون المكذبون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقرير يسبق تفصيل صفات الشجرة؛ ليدفع استغراب الكفار واستهزاءهم المسبق؛ فبين أن عقولهم المادية القاصرة هي التي جعلت من هذه المعجزة التكوينية فتنة لهم، وأن الظلم هو الذي حجبهم عن إدراك طلاقة القدرة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أبي جهل والملاحدة: كيف تنبت شجرة خضراء في لهيب نار جهنم التي تذيب الصخور؟: زعموا أن الشجرة من خشب والخشب وقود النار فكيف تبقى حية نابتة في قعر الجحيم؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والعلمية لطلاقة القدرة الإلهية وخلق الأضداد: هذا القياس هو قياس فاسد يقيس قوانين الآخرة على سنن الدنيا المألوفة؛ فالإله القادر الذي يحفظ سمندل النار أو البكتيريا المحبة للحرارة العالية في فوهات البراكين عند درجات مئات مئوية في الدنيا، والقادر الذي نادى موسى من الشجرة والنار تشتعل فيها فلا النار تحرق الشجرة ولا رطوبة الشجرة تطفئ النار، وقادر على أن يجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قادر بالبداهة العقلية الأولى على أن يخلق شجرة من طبيعة نارية تنبت في قلب الجحيم وتتغذى بلهيبها وسمومها لتكون عذاباً لأهلها، فاستبعاد ذلك جهل مطبق بقدرة الخالق الفعال لما يريد.