افتتاح الموكب النبوي الملحمي في سورة الصافات بأول أولي العزم من الرسل وشيخ الأنبياء نوح عليه السلام؛ حيث يذكر الله سبحانه تضرع نوح ودعاءه الصادق لربه بعد تسعمائة وخمسين عاماً من الصبر والمكابدة حين كذبه قومه وآذوه، فنادى ربه: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}، و{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}، فأثنى الله على نفسه ثناءً جليلاً بأنه نعم المجيب لدعاء أوليائه المكروبين، فأجاب دعاءه بأعظم إنجاء وأعدل انتقام.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 84)جامع البيانالطبري٢١/٨٤: «يقول تعالى ذكره: ولقد دعانا نوح حين كذبه قومه واستضعفوه وآذوه، فنعم المجيبون نحن له حين دعانا، أجبنا دعاءه بأسرع ما يكون، فأنجيناه وأهله من الطوفان والكرب العظيم، وأغرقنا أعداءه المكذبين».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «نادى ربه لما يئس من إيمانهم فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، فأجابه الله وأغرق قومه وأنجاه في الفلك».
وقال ابن كثير: «يذكر تعالى نوحاً عليه السلام لما دعا على قومه إذ طال مقامه فيهم وكذبوه، فنعم المجيبون كنا له؛ حيث نجاه وأهله وأغرق من كفر به».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية للبدء في قصص الأنبياء، واللام للقسم المقدر، و«قد» حرف تحقيق.
{نَادَانَا}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل هو نوح، و«نا» ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. والنداء: الدعاء والتضرع بصوت واستغاثة واستنصار من بعد أو كرب.
{نُوحٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَلَنِعْمَ}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب السريع، واللام واقعة في جواب قسم مقدر أو للتوكيد، «نِعْمَ» فعل ماض جامد لإنشاء المدح مبني على الفتح.
{الْمُجِيبُونَ}: فاعل «نعم» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: نحن؛ أي فنعم المجيبون نحن له. وجُمع ضمير العظمة والفاعل لإفادة كمال القدرة والجلال وسعة الإجابة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الافتتاح لقصة نوح يمثل التطبيق العملي الفوري لقوله في الآية السابقة: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}؛ فنوح هو إمام المخلصين، ودعاؤه وإجابته تجسيد حي لكيفية نجاة المخلصين وإهلاك المنذرين المكذبين بالطوفان، ليرى المخاطبون مصداق السنّة الإلهية في واقع التاريخ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخر إجابة الدعاء وظن تخلف الوعد الإلهي: كيف يوصف الله بأنه {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} ونوح لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه قبل أن ينزل الطوفان؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والزمنية لحكمة التوقيت في الإجابة: نداء نوح الذي ذكرته الآية هو النداء الحاسم بالاستنصار عند انقطاع حبال الرجاء في إيمانهم: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}، فلما نادى بهذا النداء تحركت سنّة الإجابة الفورية بأعظم مما يتصور: فتحت أبواب السماء بماء منهمر وفجرت الأرض عيوناً وصنعت الفلك بأعين الله ووحي؛ فالإجابة الإلهية لا تقاس بتعجل البشر بل بحكمة الميقات، والله نعم المجيب الذي يجيب في الوقت الأوفى وبالصورة الأكمل والأبقى.
التعبير بـ {نَادَانَا} دون دعانا: النداء يوحي بعمق الكرب واستفراغ الوسع وبث الشكوى بلهفة المستغيث الذي لا ملجأ له إلا ربه.
أسلوب المدح بـ {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} بصيغة الجمع والتعظيم: يفيض بالجلال والكمال الإلهي؛ فإذا كان الله هو المجيب فما أعظمها من إجابة لا يحدها عجز ولا يمنعها مانع.
الفاء التعقيبية في {فَلَنِعْمَ}: للدلالة على سرعة الإسعاف ولطف الاستجابة فور ارتفاع النداء الصادق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح الدعاء والتضرع؛ فهو الملاذ الحصين للأنبياء والمؤمنين في ساعات الشدة والمغالبة: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
اليقين المطلق بأن الله نعم المجيب ونعم النصير؛ فلا ييأس مؤمن من فرج ربه ولو تكالبت عليه أمم الأرض، فرب نوح حي لا يموت يجيب المضطر إذا دعاه.