التمادي في الاستبعاد والتهكم بذكر الآباء والأجداد الغابرين؛ حيث يعطفون على إنكارهم السابق سؤالاً أشد لجاجة: وهل يُبعث أيضاً آباؤنا وأجدادنا القدامى الذين ماتوا منذ قرون متطاولة وصاروا تراباً مندكاً في بطون الأرض ومجاري السيول؟
قرأ قالون وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم {أَوَآبَاؤُنَا} بفتح الواو عاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام، وقرأ ورش وحمزة والكسائي وخلف {أَوْ آبَاؤُنَا} بسكون الواو على أنها «أو» العاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 25)جامع البيانالطبري٢١/٢٥: «يقول تعالى ذكره: ويقولون أيضاً: أويُبعث أيضاً آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا ومضت عليهم القرون؟ يستبعدون ذلك ويكذبون به، كأنهم يرون أن تقادم الزمان يحيل الإعادة على الله، وجهلوا أن الزمان بالنسبة إلى قدرة الله سواء».
وقال قتادة ومجاهد: «استعظموا بعث آبائهم الأقدمين الذين اندرست آثارهم وصاروا تراباً قديماً».
وقال ابن كثير: «أي وآباؤنا الماضون الذين صاروا رفَاتاً قديماً أيبعثون أيضاً؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَآبَاؤُنَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الاستبعادي، والواو عاطفة، «آباؤنا» معطوف على الضمير المستتر في «مبعوثون» أو على محل «إنا»، وسوغ العطف الفصل بالهمزة والواو، و«نا» مضاف إليه. وقيل: «آباؤنا» مبتدأ وخبره محذوف دل عليه ما قبله تقديره: أواّباؤنا مبعوثون أيضاً؟
{الْأَوَّلُونَ}: نعت لآبائنا مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والمقصود الأجداد والأمم السالفة التي تقادم عهدها جداً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا العطف يرتقي بالاستبعاد خطوة إضافية؛ فبعد أن استبعدوا بعث أنفسهم وهم حديثو عهد بالموت في الآية 16، صعدوا الشبهة إلى الآباء والأجداد الأقدمين الذين تفرقت ذراتهم وبليت قبورهم قبل آلاف السنين، ظناً منهم أن طول المدة يزيد في عجز الصانع عن إعادتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأثير مرور الزمان في صعوبة الإعادة: يتوهم العقل البشري القاصر أن إعادة الميت الحديث أسهل من إعادة الميت القديم الذي مر عليه آلاف السنين.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والفيزيائية لعلاقة الخالق بالزمان: الزمان مخلوق من مخلوقات الله يجري على المحدثات ولا يجري على الخالق الأبدي؛ فالميت بالأمس والميت قبل مائة ألف عام كلاهما في قبضة الله وعلمه سواء، وتلاشي الذرات لا يعني فناءها عن علم الله، فالقدرة الإلهية لا تتأثر بكرور السنين وتقادم الأزمان.