تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 588)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٨: قال: فلما انقطعت حججهم وبطلت دعاواهم أمام براهين إبراهيم الساطعة، فزعوا إلى لغة البطش والقوة كما هي عادة الطغاة والجبابرة، فقالوا: ابنوا له بنياناً كالحظيرة واملأوه حطباً وناراً ثم ألقوه في النار المضطرمة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 25)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٥: روى عن ابن عباس والمنهال بن عمرو أنهم جمعوا الحطب شهراً حتى إن المرأة إذا مرضت نذرت إن شفيت لتحملن حطباً لنار إبراهيم، ثم بنوا صرحاً عظيماً وأوقدوا فيه النار حتى صارت تتأجج بلهب عظيم لا يقدر أحد على الاقتراب منه، ووضعوا إبراهيم في المنجنيق وألقوه فيها.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 91)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٩١: بين أن تسمية النار هنا بـ "الجحيم" لعظم لهبها وتوقدها وشدة حرها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{ابْنُوا}: البناء: وضع الحجارة والمواد بعضها فوق بعض لتشييد جدار أو صرح.
{بُنْيَانًا}: اسم لما يبنى، والمراد هنا صرح وجدار مرتفع يحبس النار ويمنع تشتتها.
{الْجَحِيمِ}: المكان شديد التأجج والاشتعال من النار؛ من جحمت النار إذا اضطرمت بشدة.
الإعراب التفصيلي:
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة مستأنفة.
{ابْنُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ {ابْنُوا} (أي لأجله ولأجل عقابه).
{بُنْيَانًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{فَأَلْقُوهُ}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب، ألقوه: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{فِي الْجَحِيمِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أَلْقُوهُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: لما غلبهم إبراهيم بالبرهان العقلي وأفحمهم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، سقطت حجتهم وظهر عجزهم التام، فلم يبق أمامهم إلا استعمال الإرهاب والبطش الجسدي وإحراقه حياً للتخلص من صوته الصادع بالتوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة انتصار أهل الباطل في الظاهر بقوتهم المادية:
المحاكمة العقلية: لجوء المبطلين إلى التحريق بالبنيان والنار اعتراف ضمني بهزيمتهم الفكرية والعقدية؛ إذ لو كان لديهم حجة واحدة لقارعوه بها، ولكن حين يخلو الوفاض من البرهان يبرز السيف وتشتعل النيران، وهذا هو الإفلاس الحقيقي.
التنكير في {بُنْيَانًا}: للتهويل والتعظيم؛ أي بنياناً هائلاً غير مألوف يتسع لأطنان الحطب لإيقاد نار استثنائية في شدة حرها.
التعبير بـ {الْجَحِيمِ} بدلاً من مجرد النار: لإبراز عظم الحقد والغيظ الذي ملأ صدورهم ضد خليل الرحمن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي: موطن الابتلاء والتمحيص لأهل الحق؛ فالدعوة إلى التوحيد تواجه دائماً طغيان القوة المادية، وعلى الداعية أن يوطن نفسه على التضحية والصبر والثبات.
الوجدان الإيماني: عظمة يقين إبراهيم وتوكله على ربه حين وضع في المنجنيق وقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، كما في صحيح البخاري (برقم 4563)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٣ عن ابن عباس.