الجواب النبوي الإلهي الصاعق الحاسم الذي يسحق استبعادهم ويهدم كبرياءهم؛ حيث يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بكلمة واحدة قاطعة: «نعم» ستبعثون أنتم وآباؤكم الأولون يقيناً، وحالكم حينئذ ليس الاستعلاء والتكذيب كما أنتم اليوم، بل ستبعثون صاغرين أذلاء، مقهورين منكسي الرؤوس، خاضعين لجلال الجبار.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 26)جامع البيانالطبري٢١/٢٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستبعدين للبعث، القائلين: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون؟: قل لهم: نعم؛ لتبعثن أنتم وآباؤكم جميعاً بعد مماتكم وبلاكم، وأنتم داخرون؛ أي صاغرون أذلاء، قد غلبكم القهر الإلهي وأحاط بكم الهوان والصغار».
ونقل ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «{دَاخِرُونَ}؛ أي صاغرون أذلاء حقراء».
وقال ابن كثير: «أي قل لهم يا محمد: نعم ستبعثون بعد أن تصيروا تراباً وعظاماً، وأنتم داخرون؛ أي حقراء صاغرون تحت سلطان القدرة العظيمة، كما قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
{نَعَمْ}: حرف جواب وتصديق مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وجملة الجواب المقدرة: نعم تبعثون، في محل نصب مقول القول.
{وَأَنتُمْ}: الواو حالية، «أنتم» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{دَاخِرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الواو في الفعل المقدر (تبعثون داخرين). والداخر: الصاغر الذليل المهان، من دخر يدخر دخوراً إذا ذل وهان وصغر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الفوري القاطع جاء ليقطع دابر الثرثرة والجدل العقائدي السفسطائي الذي خاضوا فيه في الآيتين السابقتين؛ فبدلاً من مجاراتهم في الجدال، ألقمهم الحجر بكلمة {نَعَمْ}، ثم أتبعها بالوصف الكاسر للكبرياء {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}؛ لأن سبب إنكارهم في الأصل هو الاستكبار، فكان الدخور والصغار هو الدواء الرادع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المشرك في ظنه أنه إذا بعث سيكون في الآخرة عزيزاً كما كان في الدنيا: كان العاص بن وائل يقول: لأوتين مالاً وولداً، ويظنون أنهم سيبعثون - إن وجد بعث - بمكانتهم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لطبيعة المحشر ومصير المستكبرين: حسمت الآية الأمر؛ فالبعث ليس حفلاً لتكريم الطغاة، بل هو محاكمة عادلة يخضع فيها كل متكبر جبار، فيحشر المستكبرون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم صاغرين داخرين، فلا فخر ولا بطر في ذلك اليوم المهيب.
الحسم والصرامة بـ {نَعَمْ}: جواب يقيني بات لا تردد فيه ولا تراجع، يلقي في قلوبهم الرعب الفوري.
الحال الاسمية المؤكدة في {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}: للدلالة على ثبوت الصغار والذل والتصاقه بنفوسهم في ذلك الموقف الرهيب، جزاء وفاقاً على استكبارهم في دار الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الحق وشجاعة الداعية في مجابهة الشبهات بالحسم واليقين المستند إلى نصوص الوحي.
التواضع لله في الدنيا؛ فمن تكبر على الله وضعه وأذله وصيره من الداخرين، ومن تواضع لله رفعه وأكرمه.