الالتفات الإلهي بالخطاب المباشر للمشركين بتقرير حتمية العقاب؛ حيث يقطع الله عليهم كل حيلة، مؤكداً لهم بأسلوب الجزم واليقين: إنكم أيها المكذبون الطاعنون في الرسول والتوحيد لمباشرون وذائقون هذا العذاب الشديد الموجع في نار جهنم لا محالة، جزاء وفاقاً على استكباركم وطعنكم وسخريتكم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 48)جامع البيانالطبري٢١/٤٨: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين المكذبين برسوله، القائلين له: شاعر مجنون: إنكم أيها المشركون لذائقو عذاب الله الأليم في نار جهنم، الموجع لقلوبكم وأبدانكم، جزاء ما كنتم به تكذبون وتستكبرون».
وقال قتادة ومجاهد: «وعيد من الله للكفار بحتمية ذوق العذاب الأليم».
وقال ابن كثير: «هذا تهديد ووعيد من الله تعالى للمشركين المستكبرين عن كلمة التوحيد، بأنهم حتماً سيذوقون العذاب الموجع في جهنم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّكُمْ}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها، والميم للجمع.
{لَذَائِقُو}: اللام المزحلقة للتأكيد، «ذائقو» خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة وهو مضاف. والذوق: مباشرة الطعم بالحاسة، واستعير لمباشرة العذاب بالأبدان والنفوس.
{الْعَذَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.
{الْأَلِيمِ}: نعت للعذاب مجرور بالكسرة الظاهرة. والأليم: المؤلم ذو الإيلام الشديد البالغ أقصى درجات الوجع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب المباشر {إِنَّكُمْ} يأتي بعد تبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية 37؛ فكأن السياق يقول: بعد أن سقطت كل شبهاتكم وثبت صدق الرسول والحق الذي جاء به، لم يبق لكم إلا مصيركم المحتوم وهو ذوق العذاب الأليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الإفلات من العذاب بمجرد التشكيك في البعث: يظن المعاند أن إنكاره للشيء يمنع وقوعه عليه.
رد الشبهة بالمحاكمة الواقعية والعقدية للحقائق الثابتة: إنكار الواقعة لا يغير من حقيقتها؛ فالأعمى الذي ينكر وجود الحفرة أمامه لا يحميه إنكاره من السقوط فيها والهلاك، وتكذيب المشركين للآخرة لن يدفع عنهم العذاب الأليم الذي حتمه العدل الإلهي، فالوعيد نافذ قطعي.