تحديد المعبودات الباطلة المحشورة معهم وإصدار الأمر بسوقهم وسحبهم إلى نار جهنم؛ حيث توضح الآية أن ما كانوا يعبدونه هو الأنداد والأصنام التي عبدوها من دون الله الحي القيوم، ثم يصدر الأمر للملائكة الزبانية: فدلوهم وسوقوهم وقودوهم قسراً إلى طريق النار المستعرة ذات اللهب.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 32)جامع البيانالطبري٢١/٣٢: «يقول تعالى ذكره: وما كانوا يعبدون من دون الله؛ يعني من الأصنام والأوثان التي عبدوها مضاهاة لله، فاهدوهم إلى صراط الجحيم؛ يعني: فوجهوهم وسوقوهم وقودوهم إلى طريق النار وطريق جهنم، والهدى هنا: الإرشاد والسوق إلى الشيء، والجحيم: اسم من أسماء النار وهي النار المتأججة الشديدة التأجج».
وقال قتادة ومجاهد: «{فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ}؛ أي دلوهم وسوقوهم إلى النار».
وقال ابن كثير: «أي سوقوهم وقودوهم إلى طريق جهنم وسعيرها، وهذا تهكم بهم وتوبيخ على ضلالهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مِن دُونِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «ما» في الآية السابقة؛ أي متجاوزين عبادة الله إلى غيره، ودون مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{فَاهْدُوهُمْ}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب مفرعة على الحشر، «اهدوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، و«هم» مفعول به مبني في محل نصب. والهدى هنا مستعمل مجازاً أو تهكماً بمعنى السوق والإيراد والدلالة.
{الْجَحِيمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والجحيم: شدة تأجج النار وسعيرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال وثيق بالآية السابقة؛ فبعد أمر الحشر {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا}، جاء الأمر بتحديد وجهة السوق {فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ}، ليتحول الجمع من مجرد احتشاد إلى مسيرة عذاب وسوق مذل نحو دركات النار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعمال لفظ الهداية {فَاهْدُوهُمْ} في موضع العذاب وسوق النار: الهداية في أصل اللغة والشرع تستعمل في الدلالة على الخير والجنة، فكيف قيل: فاهدوهم إلى صراط الجحيم؟
رد الشبهة بالأسلوب البلاغي للتهكم والتبكيت: هذا من أبلغ أساليب البلاغة القرآنية ويسمى «التهكم والاستهزاء»؛ كما يقال للشرير: «بشره بالسجن»، وكقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ لما كانوا في الدنيا يرفضون الهداية إلى الصراط المستقيم، جوزوا في الآخرة بهداية مقلوبة ومخزية تسوقهم قسراً إلى صراط الجحيم وسعيرها.