الخطاب المباشر الممتلئ بالرهبة والامتنان بين المؤمن المنعم وقرينه المعذب؛ حيث ينادي المؤمن صاحبه في النار مقسماً بالله العظيم: والله لقد قاربت في الدنيا بحيلتك وشبهاتك وتزيينك للباطل أن تهلكني وتوردني معك هذا المورد المهلك الخاسر في النار!
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 66)جامع البيانالطبري٢١/٦٦: «يقول تعالى ذكره: قال هذا المؤمن لقرينه وهو في سواء الجحيم: تالله؛ يحلف بالله معترفاً بفضله، إن كدت لتردين؛ يعني: ما كدت إلا لتهلكني وتوقعني في الردى والهلكة، والردى في كلام العرب: الهلاك في النار، يقال: ردي فلان يردى ردى إذا هلك، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: {لَتُرْدِينِ}؛ أي لتهلكني بكفرك وشكك ودعوتك لي إلى معصية الله».
وقال ابن كثير: «أقبل عليه المؤمن يوبخه ويقرعه ويحمد الله على السلامة منه، ويقول: والله إن قاربت لتهلكني لو أطعتك فيما كنت تدعوني إليه من الكفر بالمعاد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
{تَاللَّهِ}: التاء حرف قسم وجر خاص بلفظ الجلالة، ولفظ الجلالة مجرور بالتاء، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله.
{إِن}: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: إنه، أو هي نافية واللام في لتردين بمعنى إلا.
{كِدتَّ}: فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة مبني على السكون، والتاء اسمه في محل رفع. ومعنى كاد: قارب ولم يفعل.
{لَتُرْدِينِ}: اللام هي الفارقة بين المخففة والنافية، «تردين» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء المحذوفة رسماً الثابتة لفظاً ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وجملة لتردين في محل نصب خبر «كدت»، وجملة القسم وجوابه مقول القول في محل نصب. والإرداء: الإهلاك والإسقاط في الهاوية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النداء يعقب رؤيته له في وسط الجحيم {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ}؛ فاستحضر المؤمن فوراً حجم الخطر الرهيب الذي كان يحدق به في الدنيا حين كان يجالسه ويسمع شبهاته، فانطلق لسانه بالقسم تعجباً من عظيم النجاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة جواز مخاطبة أهل الجنة لأهل النار وسماعهم لها: كيف يسمع المعذب في قعر النار نداء المنعم في أعلى الجنة؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية للقدرة الإلهية النافذة في الدارين: حوارات أهل الجنة وأهل النار مثبتة في مواضع شتى من القرآن: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ}، وقد أزال الله الموانع المادية وجعل الصوت ينفذ والخطاب يقع بكامل الوضوح؛ لتتحقق الغاية من تبكيت الكافر وزيادة حسرته، وإظهار غبطة المؤمن واغتباطه بفضل ربه.