تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 637)جامع البيانالطبري١٩/٦٣٧: نقل بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن كفار قريش ومشركي العرب زعموا أن الله تعالى تزوّج من سروات الجن (أشرافهم وسيداتهم) فخرجت منهن الملائكة! فرد الله عليهم مبيناً أن الجن أنفسهم يعلمون أن قائل هذا القول من الإنس كاذب، وأن الجن والإنس المشركين محضرون في عذاب النار مغلولون مقهورون، فكيف تكون الجنة أصهاراً لله وهم عبيد مقهورون محضرون في العذاب؟!
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 45)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٤٥: أوضح أن هذا من أفظع خرافات الوثنية الجاهلية؛ جعلوا بين الله وبين الجنة مصاهرة ونسباً، وأكد أن الجن يعلمون يقيناً أن من افترى هذا الإفك محضر في الجحيم لا محالة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 131)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٣١: ذكر أن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} يحمل معنيين؛ إما أن كفار الجن يعلمون أنهم محضرون في النار ككفار الإنس، أو أن الجن يعلمون أن كفار الإنس الذين زعموا ذلك محضرون في العذاب لتكذيبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{الْجِنَّةِ}: عالم الجن المستتر عن أعين البشر؛ من جنّ الشيء إذا ستره وغطاه.
{نَسَبًا}: القرابة والاتصال العرقي بالمصاهرة أو الولادة.
{لَمُحْضَرُونَ}: اسم مفعول؛ أي مسوقون مقهورون إلى عذاب النار لا يستطيعون فراراً.
الإعراب التفصيلي:
{وَجَعَلُوا}: الواو استئنافية، جعلوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{بَيْنَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لجعل، والهاء مضاف إليه.
{وَبَيْنَ}: معطوف على بين الأولى.
{الْجِنَّةِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{نَسَبًا}: مفعول به أول لجعل منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَلَقَدْ}: الواو حالية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق.
{عَلِمَتِ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: كشف فرية وثنية أخرى لا تقل قبحاً عن دعوى البنات؛ وهي فرية المصاهرة والنسب بين رب الأرباب وبين مخلوقاته من الجن، وإسقاط هذه الخرافة بشهادة وعلم الجن أنفسهم بعبوديتهم وخوفهم من الحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع خرافة المصاهرة والنسب بين الخالق والمخلوق:
المحاكمة العقلية الصارمة:
النسب والمصاهرة يقتضيان المجانسة والتماثل والافتقار، والله سبحانه صمد غني منزه عن المادة والمجانسة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
الجن أنفسهم مخلوقات ضعيفة مكلفة، يقع فيهم الكفر والإيمان، ويعلمون أنهم عبيد مقهورون يساقون إلى العذاب إذا كفروا: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}، فكيف يكون الخاضع لسطوة العذاب شريكاً أو صهراً للرب القهار؟! هذا من أسفه السفه وأشنع التناقض.