تصوير مشهد الاستسلام والذل التام الذي يغشى المشركين في عرصات القيامة؛ فبعد أن قيل لهم تهكماً: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}، يخبر القرآن عن حقيقة حالهم بأنهم اليوم في غاية الانقياد والخضوع القهري، لا يملكون لأنفسهم دفاعاً ولا امتناعاً ولا فراراً، بل استسلموا لأمر الله وقضائه فيهم وسيقوا إلى العذاب صاغرين.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 35)جامع البيانالطبري٢١/٣٥: «يقول تعالى ذكره: ما لهؤلاء لا ينصر بعضهم بعضاً؟ بل هم اليوم منقادون لحكم الله فيهم، خاضعون لعظمته، مستسلمون لأمره، لا يقدرون على امتناع ولا حراك، قد أذلهم قهر الجبار؛ والاستسلام في كلام العرب: الانقياد والإذعان بعد الامتناع».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «{مُسْتَسْلِمُونَ}؛ أي منقادون خاضعون لا يمتنعون من شيء يراد بهم».
وقال ابن كثير: «أي خاضعون منقادون لأمر الله وحكمه، لا يقدرون على مخالفة ولا دفاع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال إبطالي لإبطال توهم قدرتهم على التناصر.
{هُمُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، وحركت الميم بالضم لالتقاء الساكنين.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمستسلمون.
{مُسْتَسْلِمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. والاستسلام: استفعال من السَّلَم والسَّلَم؛ وهو إلقاء السلاح والانقياد التام وترك المدافعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإضراب بـ {بَلْ} يجيب على التساؤل التهكمي في الآية السابقة: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}؛ فبين أن المانع من تناصرهم ليس مجرد خذلان الصاحب لصاحبه، بل هو أعظم من ذلك: وقوعهم تحت قبضة القهر الإلهي المطلق بحيث شُلّت إرادتهم وصاروا مستسلمين استسلام الأسير المغلول.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم نفع الاستسلام في القيامة: هل ينفعهم هذا الاستسلام والخضوع في تخفيف العذاب؟
رد الشبهة بالمحاكمة الشرعية للفرق بين استسلام الإيمان واستسلام الإذعان: الاستسلام النافع هو استسلام الاختيار في دار الدنيا بالانقياد للشريعة والتوحيد {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}؛ أما استسلام الآخرة فهو خضوع اضطراري قهري لا حيلة معه، كاستسلام المجرم للشرطة بعد محاصرته، فلا أجر فيه ولا نجاة بل هو عين الذل والعقوبة.