استثناء منقطع أو متصل يفتح أبواب الرحمة والكرامة لأهل الفلاح؛ حيث يستثني الله سبحانه من ذلك العذاب الأليم ومحاكمة المجرمين عباده الأطهار الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لله، واصطفاهم الله برحمته وطهرهم من الشرك والرياء، فلهم النجاة التامة والكرامة المطلقة في جنات النعيم.
قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف) وابن عامر {الْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام اسم مفعول؛ أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعصمهم برحمته، وقرأ باقي السبعة (نافع وابن كثير وأبو عمرو) {الْمُخْلِصِينَ} بكسر اللام اسم فاعل؛ أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لله تعالى وحده لا شريك له.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 50)جامع البيانالطبري٢١/٥٠: «استثنى الله عز وجل من المجرمين الذين يذيقهم العذاب الأليم عباده الذين أخلصوا له العبادة وأفروده بالألوهية، أو الذين أخلصهم الله لطاعته برحمته وتوفيقه، فإن هؤلاء ناجون من العذاب الأليم مكرمون في جنات النعيم».
وقال قتادة ومجاهد: «استثنى الله أهل الإخلاص والتوحيد؛ فلا يذوقون ذلك العذاب بل هم في نعيم مقيم».
وقال ابن كثير: «استثناء منقطع أو متصل؛ أي لكن عباد الله المخلصين في عبادته المخلصين له الدين، ليسوا في هذا العذاب، بل هم في كرامة ونعيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن، أو متصل من الضمير في «تجزون» أو «المجرمين».
{عِبَادَ}: مستثنى منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{الْمُخْلَصِينَ}: نعت لعباد منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم (على قراءة الفتح: المصطفين، وعلى قراءة الكسر: الموحدين المخلصين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التحول البديع بالاستثناء يمثل الانتقال من أهوال جهنم وعذاب المجرمين إلى رياض الجنة ونعيم المقربين؛ لإبراز كمال التقابل القرآني الذي يجمع بين الترهيب والترغيب، وليتضح التمايز التام بين الفريقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عموم واستيعاب الحساب لجميع الخلائق وظن عدم تمايز الصالحين: هل يمر المخلصون بنفس أهوال المحاكمة والتوبيخ؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لمقام الإخلاص والاصطفاء: قطعت الآية باستثناء {عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} من كل عذاب وخزي وتوبيخ؛ فهم في أمان تام من الفزع الأكبر، تتلقاهم الملائكة بالبشرى، وحسابهم يسير إن حوسبوا، ولا يدخلون في دائرة التلاوم والتقريع المذكورة للمجرمين.
إضافة العباد إلى اسم الجلالة {عِبَادَ اللَّهِ}: إضافة تشريف وتعظيم وتكريم فائق لا يدانيه شرف في الوجود.
التكامل المعجز بين القراءتين (المُخلِصين والمُخلَصين): قراءة كسر اللام تبين عمل العبد ومبادرته (الإخلاص في الطاعة)، وقراءة فتح اللام تبين فضل الله وجزاءه (اصطفاء الرب للعبد وعصمته وتطهيره)، فالإخلاص من العبد سببٌ لاصطفاء الله وإخلاصه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق الإخلاص وتجريده لله في كل قول وعمل؛ فالإخلاص هو طوق النجاة الوحيد من عذاب جهنم ومكائد الشيطان: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.
استشعار شرف العبودية لله؛ فمن تحقق بالعبودية لله تحرر من عبودية الخلق والأهواء والشهوات.