تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 624)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٤: بيّن بسنده عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم من البحر الأخضر: ألا تكسر له عظماً ولا تأكل له لحماً، فإن يونس ليس لك رزقاً وإنما بطنك له سجن ومعبد ومأوى. فالتقمه الحوت وغاص به في لجج البحار وهو ملوم من ربه لخروجه بغير إذنه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 40)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٤٠: أوضح أن "الالتقام" هو الابتلاع السريع بجرعة واحدة، وقوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ}؛ أي أتى بما يُلام عليه وهو خروجه ومفارقته لقومه دون إذن ربه، والمليم: الفاعل لما يستحق اللوم عليه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 119)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١١٩: ذكر أن يونس لما ألقى نفسه ابتلعه الحوت فوراً، فاستقر في بطنه حياً سليماً معصوماً بحول الله وقدرته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{فَالْتَقَمَهُ}: الالتقام: الابتلاع بسرعة وأخذه بفيه كما تلتقم اللقمة.
{الْحُوتُ}: السمك العظيم في البحر.
{مُلِيمٌ}: اسم فاعل من ألام الرجل؛ إذا أتى بأمر يستحق اللوم عليه ويلام فاعله.
الإعراب التفصيلي:
{فَالْتَقَمَهُ}: الفاء عاطفة للتعقيب، التقم: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به مقدم.
{وَهُوَ}: الواو حالية، هو ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُلِيمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في التقمه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تعقيب الاقتراع والإلقاء بوقوع النتيجة القدرية المذهلة فوراً؛ التقمه الحوت في ظلمات اليم، وهو في حالة استحقاق المعاتبة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بقاء إنسان حي في بطن الحوت دون اختناق أو هضم:
المحاكمة العقلية والمعجزية:
هذه معجزة خارقة للعادة جرت بقدرة الله المطلقة التي تعطل القوانين الطبيعية إذا أرادت؛ كما عطلت خاصية الإحراق في النار لإبراهيم.
الحوت لم يكن جائعاً ليفترسه بل سُخر مأموراً ليكون سجناً مؤقتاً وموضع ابتلاء، فكُفت عنه العصارات الهاضمة وأُمد يونس بالأكسجين والحياة بقدرة الحي القيوم الذي يقول للشيء كن فيكون.
التعبير بـ {فَالْتَقَمَهُ} دون "ابتلعه": لإفادة السرعة والالتقاط الدقيق كأن الحوت كان متربصاً ينتظر سقوط اللقمة لتنفيذ الأمر الإلهي فوراً.
الجملة الحالية {وَهُوَ مُلِيمٌ}: دقة بالغة في الأدب؛ فلم يقل "وهو آثم" أو "مذنب"، بل قال "مليم"؛ أي أتى بفعل يلام عليه المقربون عند أخذهم بالأكمل، وهو تنبيه على علو قدره ومقامه الشريف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: محاسبة النفس الصادقة عند نزول الشدائد؛ فالعبد الصالح أول ما يبادر إليه عند البلاء هو مراجعة نفسه والاعتراف بالتقصير.
الوجدان الإيماني: تعظيم قدرة الله القاهرة التي تسخر الحيتان وأعماق البحار لتأديب عباده الصالحين وحفظهم في آن واحد.