تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 594)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٤: نقل عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن "بلغ معه السعي" أي شب وأطاق أن يسعى معه في حوائجه ويعينه على مصالح دنياه ودينه، وكان ذلك أبهى أوقات حب الوالد لولده، وجاء في الروايات أن رؤيا الأنبياء وحي حق؛ لذلك قال إبراهيم لولده مستشيراً ومختبراً صبره وتوطيناً لنفسه على طاعة الله: {فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 28)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٨: أورد أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: "رؤيا الأنبياء وحي"، وقرأ: {إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، وأوضح أن إبراهيم لم يباغت ابنه بالذبح قسراً، بل أعلمه ليكون أهون عليه وأعظم لأجره في التسليم لرب العالمين.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 705)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٧٠٥: وصف هذا المشهد بأنه ذروة الابتلاء وقمة الاستسلام؛ فطلب الوالد من ولده أن يسلم نفسه للذبح، فأجاب الغلام بكمال الأدب والتوكل، مقدماً مشيئة الله: {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}: السعي: المشي والعمل والحركة في طلب الرزق والمعاونة، وبلغ معه؛ أي صار كفئاً للذهاب معه وإعانته.
{افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}: افعل أمر فاعله أنت، وما موصول مفعول به، وتؤمر مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر والصلة لا محل لها.
{سَتَجِدُنِي}: السين للاستقبال، تجدني: مضارع وفاعله أنت والياء مفعول به أول، {مِنَ الصَّابِرِينَ}: شبه الجملة متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ (أو حال)، وجملة {إِن شَاءَ اللَّهُ} شرطية معترضة وجوابها محذوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: الانتقال من البشارة العظمى بالولد إلى أقصى درجات الاختبار والابتلاء لذلك الولد الحليم ووالده الخليل؛ لتتجلى الحقيقة الكبرى في خلوص القلب التام لله وحده وتقديم محبته على كل فلذة كبد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم التوحش أو منافاة الرحمة في أمر إبراهيم بذبح ابنه:
المحاكمة العقلية والعقدية الصارمة:
الله جل وعلا هو واهب الحياة ومالك الأرواح، وله الأمر كله وله الحكم والتشريع المطلق.
الأمر هنا لم يكن مقصوداً لذاته لإراقة الدم، بل كان ابتلاءً كاشفاً وتمحيصاً لقلب الخليل، ليثبت أن محبة الله في قلب إبراهيم تفوق محبة الولد الوحيد الذي أتاه على كبر.
لما استسلم الوالد والولد وأسلما أمرهما لله، رفع الله الأمر بالذبح وفداه بذبح عظيم؛ فكانت الغاية هي الاستسلام والتجرد لا سفك الدماء.
التصغير للتحبب في {يَا بُنَيَّ} وتلطف الابن بـ {يَا أَبَتِ}: قمة الأدب والحنان المتبادل بين الوالد والولد في أصعب لحظة وجودية يمر بها بشر.
تعبير الابن بـ {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} بالبناء للمجهول: أدب رفيع وتفويض تام؛ فلم يقل "اذبحني"، بل عزا الأمر إلى الله الآمر سبحانه تأكيداً للامتثال.
التعليق بالمشيئة {إِن شَاءَ اللَّهُ} ونسبة الفضل في الصبر لله: أدب العبودية؛ فلم يزكِ نفسه بالصبر استقلالاً، بل تبرأ من حوله وقوته وعلق صبره بمشيئة ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: مشاورة الأبناء وتربيتهم على الاستجابة لأمر الله برفق وإقناع وحوار، وإشراكهم في تحمل أعباء التدين والتضحية.
الوجدان الإيماني: التسليم المطلق لأمر الله والانقياد لشرعه، وإدراك أن الصبر الحق منحة إلهية يطلبها العبد بتعليق رجائه بمشيئة الله وتوفيقه.