بدء كلام الأتباع والمستضعفين في لوم قادتهم ومتبوعيهم؛ حيث يقول الأتباع للكبراء ورؤساء الضلال: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الخير والهدى ومن جهة النصح والقوة فتصدوننا عن الإيمان، وتوهموننا أنكم حريصون على مصالحنا وأديان آبائنا، أو تأتوننا من جهة القهر والغلبة والقسم والحلف فتحلفون لنا أنكم على الحق.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 37)جامع البيانالطبري٢١/٣٧: «يقول تعالى ذكره: قال الأتباع للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا من قِبل اليمين، واليمين في كلام العرب يقع على وجوه: قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي: كنتم تأتوننا من قبل الحق والخير فتقولون: نحن على الحق والهدى فصددتمونا عن الإيمان، وقيل: تأتوننا من قِبل القوة والغلبة فتقهروننا، وقيل: تأتوننا بالأيمان الكاذبة فتحلفون لنا أن الشرك حق، وكل هذه الأوجه من مكر الكبراء بأتباعهم».
وقال ابن كثير: «يقول الأتباع للقادة: كنتم تأتوننا من جهة الدين والنصح وتزينون لنا الباطل حتى ضللنا بكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل يعود على الأتباع الضعفاء.
{إِنَّكُمْ}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها، والميم للجمع.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه.
{تَأْتُونَنَا}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و«نا» مفعول به، والجملة خبر «كنتم»، وجملة «كنتم تأتوننا» خبر «إن»، وجملة القول مقول القول في محل نصب.
{عَنِ الْيَمِينِ}: جار ومجرور متعلق بتأتوننا. واليمين هنا مستعار للجهة المحبوبة التي يقبل منها الإنسان، أو القوة والقدرة، أو الأيمان المغلظة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التفصيل يوضح محتوى التساؤل المذكور في الآية السابقة {يَتَسَاءَلُونَ}؛ فبدأ الأتباع بالشكوى وتوجيه التهمة المحددة لقادتهم: أنتم الذين استخدمتم مكركم وسلطانكم وادعاء النصح لتصرفونا عن دعوة التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إلقاء الأتباع باللوم الكامل على المتبوعين لالتماس النجاة: يحاول التابع أن يصور نفسه ضحية مغفلة مغلوبة على أمرها لا تستحق العذاب.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لحرية الإرادة ووجود العقل: تبيّن الآيات اللاحقة أن هذه المحاولة فاشلة ومرفوضة؛ فالتابع كان يملك عقلاً وإرادة وسمع نداء الرسل والحجج، فاختار طاعة سادته وقدم الهوى والتقليد الأعمى على برهان الله، فاستحق العقوبة معهم لاشتراكهما في الجريمة.
استعارة {عَنِ الْيَمِينِ}: استعارة تمثيلية بارعة؛ لأن العرب تأتي الشيء من جهة اليمين تيمناً وقوة وحباً، فاستعيرت لإتيانهم من جهة النصح والتظاهر بالحرص، أو من جهة الإلزام بالأيمان الفاجرة والقوة العرفية.
التأكيد بـ «إنّ» وكان {إِنَّكُمْ كُنتُمْ}: لإظهار شدة حسرتهم ولوعتهم حين يستحضرون كيف خُدعوا بتلك الإغراءات الزائفة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من دعاة الضلالة الذين يتزيون بزي الناصحين؛ فكم من مفسد يأتيك «عن اليمين» فيزعم أنه يدافع عن الهوية والوطن وهو يهدم الدين والأخلاق.
الاستقلال الفكري والاتباع للدليل لا للأشخاص؛ فالمؤمن لا يسلم عقله لأحد كائناً من كان إلا للوحي المعصوم.