كشف العلة العميقة والجريمة الكبرى التي أوردت هؤلاء المجرمين صراط الجحيم؛ وهي الاستكبار عن كلمة التوحيد وإباء إفراد الله بالألوهية؛ حيث يخبر سبحانه أن هؤلاء المشركين كانوا في دار الدنيا إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصحهم الناصحون بقول: «لا إله إلا الله»، استعلوا واستكبروا في أنفسهم وامتنعوا عن قبولها ترفعاً وأنفَةً جاهلية، مصرين على شركهم وأصنامهم.
ثبت في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله».
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 45)جامع البيانالطبري٢١/٤٥: «يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء الذين وصفنا شأنهم كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله وأفردوا الله بالألوهية واخلعوا الأنداد، يستكبرون؛ أي يتعظمون عن قيلها ويأنفون من التوحيد استكباراً وعتواً».
وقال قتادة ومجاهد: «استكبروا عن كلمة التوحيد التي هي أصل الدين، وأبوا أن يفردوا الله بالعبادة».
وقال ابن كثير: «أي يتعظمون عن قولها مما يأنفون منه، وكانت لا إله إلا الله التي يدعوهم إليها محمد صلى الله عليه وسلم تقتضي هدم أصنامهم وكسر كبريائهم فأبوا واستكبروا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّهُمْ}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«هم» اسمها.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص، والواو اسمه.
{إِذَا}: ظرف زمان تضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{قِيلَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بقيل.
{لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}: «لا» نافية للجنس، «إله» اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره: حق، «إلا» أداة استثناء، «الله» لفظ الجلالة بدل من محل «لا» واسمها، وجملة التوحيد مقول القول في محل رفع نائب فاعل لـ «قيل».
{يَسْتَكْبِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط لـ «إذا»، وجملة الشرط والجواب في محل نصب خبر «كان»، وجملة «كانوا» خبر «إن». والاستكبار: طلب الكبر والتعظم وامتناع النفس عن الخضوع للحق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البيان يأتي تعليلاً صريحاً لقوله {إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}؛ فبين ماهية إجرامهم وجوهره، وأنه لم يكن مجرد خطأ عارض بل كان رفضاً مستكبراً لأعظم كلمة في الوجود وهي كلمة الإخلاص {لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفار قريش في رفض قول «لا إله إلا الله» مع معرفتهم بمعناها: لماذا امتنع مشركو العرب عن نطقها مع أنها كلمة يسيرة على اللسان؟
رد الشبهة بالمحاكمة اللغوية والشرعية لمقتضيات التوحيد: كان كفار قريش أهل لغة وفصاحة، وكانوا يعلمون يقيناً أن قول «لا إله إلا الله» ليس مجرد تمتمة لفظية، بل هو إعلان صريح ببطلان اللات والعزى ومناة، وإلغاء لسيادتهم المبنية على حماية الأصنام، ومساواة بين السيد والعبد والقرشي والحبشي أمام شريعة الله، فاستكبروا عن التنازل عن امتيازاتهم الطبقية والوثنية ورفضوا الكلمة لعلمهم بمقتضاها الصارم.
صيغة الاستفعال في {يَسْتَكْبِرُونَ}: تدل على تعمد الكبر وتكلف التعالي؛ فالكبر ليس صفة ذاتية لهم بل هم ضعفاء تكلفوا الاستعلاء على خالقهم فقصمهم الله.
عظمة جملة {لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ} في سياق الآية: تصوير للمفارقة بين جلال هذه الكلمة التي قامت بها السماوات والأرض، وبين دناءة نفوس هؤلاء المستكبرين الذين أنفوا من نطقها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك القيمة العظمى لكلمة التوحيد؛ فهي أعظم النعم وحصن الأمان، ومن مات عليها دخل الجنة.
الحذر التام من داء الكبر؛ فإن الكبر هو الذنب الذي أهلك إبليس وصرف المشركين عن الجنة: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».