تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 570)جامع البيانالطبري١٩/٥٧٠: بيّن الإمام الطبري بسنده عن ابن عباس وقتادة أن "الكرب العظيم" هو الغرق المستأصل والطوفان الجارف الذي عم الأرض، وما كابده نوح عليه السلام من مشاق التكذيب والأذى الطويل من قومه طيلة تسعمائة وخمسين عاماً، فأنجاه الله ومن آمن معه في الفلك المشحون.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 18)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/١٨: أوضح أن الله تعالى يذكر إجابته لدعوة نوح حين قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً}، وقوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}، فاستجاب له ونجاه وأهله الذين آمنوا به من الهلاك العام.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 79)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٧٩: ذكر أن "الكرب" أشد الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس، ووصفه بالعظيم لعمومه وهوله وفنائه لمن كذب به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{وَنَجَّيْنَاهُ}: التنجية: التخليص من الهلكة والمكروه، وأصل التضعيف للدلالة على عظم الإنجاء وكماله.
{الْكَرْبِ}: أصل الكرب: الغم الشديد الذي يثقل النفس ويملأ الصدر ضيقاً، مأخوذ من كرب الأرض إذا قلبها بالحرث، فكأن الغم يقلب الفؤاد ظهراً لبطن.
{الْعَظِيمِ}: صفة للكرب، دلت على بلوغه المنتهى في الشدة والهول.
الإعراب التفصيلي:
{وَنَجَّيْنَاهُ}: الواو عاطفة على {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ}، نجى: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و"نا" ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{مِنَ الْكَرْبِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {نَجَّيْنَاهُ}.
{الْعَظِيمِ}: نعت لـ {الْكَرْبِ} مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: بعد أن قرر في الآية السابقة إجابة الدعاء: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ}، جاء التفصيل المباشر لمظهر تلك الإجابة الإلهية العظمى بنجاة نوح وأهله، ليكون ذلك دليلاً حسياً وتاريخياً متواتراً على صدق وعد الله لرسله وخذلان أعدائهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة استثناء ابن نوح وامرأته من النجاة مع ورود لفظ {وَأَهْلَهُ}:
بين المحققون من المفسرين كابن تيمية وابن القيم أن لفظ "الأهل" في الشرع وسياق النجاة يُراد به أهل الإيمان والطاعة، كما نص القرآن في سورة هود: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، فالعصمة الحقيقية والقرابة المعتبرة هي قرابة الدين والتوحيد لا مجرد النسب الجسدي المجرد عن التقوى.
إسناد الفعل إلى نون العظمة {وَنَجَّيْنَاهُ}: دلالة على أن هذا الإنجاء لم يكن بحول بشري ولا حيلة مخلوق، بل بفيض القدرة الإلهية المطلقة واللطف الرباني التام.
التعبير بـ {الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}: استحضار لهول الطوفان وتلاطم أمواجه كالجبال، مما يورث القلب هيبة ورهبة من عظمة انتقام الله وبطشه بالظالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي والتربوي: ثبات الداعية وصبره على تكذيب الأقوام يؤول حتماً إلى نصر الله وإن تطاولت القرون، وأن الشدائد مهما بلغت في عظمها فإن لطف الله أوسع وأعظم.
الوجدان والعمل: الفرار الدائم إلى الله عند الكروب، واليقين بأن النجاة الحقيقية تكمن في ركوب سفينة التوحيد واتباع سنة المرسلين.