قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 63)جامع البيانالطبري٢١/٦٣: «يقول تعالى ذكره: كان يقول لي ذلك القرين: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً نخرة، أإنا لمدينون؟ يعني: أإنا لمجزيون بأعمالنا، ومحاسبون عليها؟ والدين في كلام العرب: الحساب والجزاء، ومنه قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؛ أي يوم الحساب والجزاء، وعن مجاهد وقتادة وابن عباس قالوا: {لَمَدِينُونَ}؛ أي لمحاسبون مجزيون، مكذباً بالحساب».
وقال ابن كثير: «أي هل ندان ونجازى ونحاسب بعد أن نصير تراباً وعظاماً؟ كان القرين ينكر ذلك غاية الإنكار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَإِذَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، «إذا» ظرف زمان تضمن معنى الشرط.
{مِتْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل.
{وَكُنَّا}: الواو عاطفة، «كنا» فعل ماض ناقص، و«نا» اسمه.
{تُرَابًا}: خبر «كان» أول.
{وَعِظَامًا}: معطوف على تراباً منصوب بالفتحة.
{أَإِنَّا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها.
{لَمَدِينُونَ}: اللام المزحلقة، «مدينون» خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول القول. ومدينون: اسم مفعول من دان يدين؛ أي مجزيون ومحاسبون ومملوكون مقهورون للقضاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه الآية تتطابق نصاً مع مقولة المشركين العامة في الآية 16: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، ولكن مع إبدال «لمبعوثون» بـ {لَمَدِينُونَ}؛ لبيان أن القرين كان ينكر أمرين معاً: ينكر البعث الجسدي أولاً، وينكر الحساب والجزاء الأخلاقي ثانياً، وهو أصل الفجور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الرغبة في التملص من المسؤولية الأخلاقية: لماذا يصر الملاحدة على إنكار اليوم الآخر؟
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية والأخلاقية للفظ {لَمَدِينُونَ}: كشفت الآية الدافع الحقيقي للإنكار؛ فالمنكر لا ينكر البعث لعجز في الدليل العقلي، بل ينكره فراراً من الحساب {لَمَدِينُونَ}؛ لأنه يريد أن يعيش بهيمياً يرتكب المظالم والشهوات دون أن يشعر بمسؤولية أمام خالق يحاسبه، فرفض الدين والحساب نابع من شهوة الانفلات لا من حجة العقل.
إيثار لفظ {لَمَدِينُونَ} دون لمحاسبون: لأن الدين يحمل معنى المذلة والخضوع للقضاء والملك التام (يقال: دان له إذا خضع)، فالقرين يستكبر عن الخضوع لحكم الله.
تكرار الاستفهام الإنكاري المزدوج: يصور قمة اللجاجة والاستبعاد النفسي للحق المستقر في الفطرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن كل إنسان «مدين» محاسب؛ فالحياة ليست عبثاً، والمظالم لن تذهب سدى: «كما تدين تدان».
كشف زيف الدعاوى المادية الإلحادية المعاصرة التي تسعى لتجريد الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية.