تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 597)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٧: نقل عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن معنى {أَسْلَمَا}: استسلما لأمر الله وأذعنا ورضيا بالقضاء وقضاياه؛ إبراهيم بالذبح، وإسماعيل بالصبر والتسليم. وقوله: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}؛ أي أضجعه وصرفه على جنبه حتى صار جبينه إلى الأرض لئلا ينظر إلى وجهه عند الذبح فتدركه رقة الوالد فيتردد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 29)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٩: أوضح أن التل هو الصرع والإلقاء على الأرض، والجبينان يكتنفان الجبهة عن يمين وشمال، فأكبه على وجهه ليذبحه من قفاه أو من جانب جبينه امتثالاً لأمر الله وإخلاصاً وتجرداً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 98)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٩٨: ذكر أن إسماعيل قال لأبيه: "يا أبت اشدد رباطي لئلا أضطرب، واكفف عني ثيابك لئلا يصيبها دمي فتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع مرّها على حلقي ليكون أهون، واكببني لوجهي لئلا تنظر إليّ فترحمني".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَلَّهُ}: تَلّ فلان فلاناً: صرعه وألقاه على الأرض بقوة وثبات؛ وتلّه للجبين أي ألقاه بحيث مسّ جبينه الأرض.
{لِلْجَبِينِ}: الجبين: أحد جانبي الجبهة، ولكل إنسان جبينان يمنة ويسرة بينهما الجبهة.
الإعراب التفصيلي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، لمّا: ظرفية شرطية غير جازمة.
{أَسْلَمَا}: فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{وَتَلَّهُ}: الواو عاطفة، تلّ: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على إبراهيم، والهاء مفعول به.
{لِلْجَبِينِ}: اللام حرف جر، الجبين مجرور باللام وشبه الجملة متعلق بـ {تَلَّهُ}.
وجواب "لمّا" محذوف تقديره: ناديناه، أو رحمهما الله وأعظم أجرهما ودلت عليه الآيات التالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تجسيد لحظة الذروة في التضحية والامتثال؛ تحول القول والحوار الإيماني النبيل إلى فعل تنفيذي حاسم لا تردد فيه ولا تأخير، حيث باشر إبراهيم وضع السكين على عنق حبيبه ووحيده في طاعة سيده ومولاه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التردد أو التعطيل في تنفيذ الأمر الإلهي:
المحاكمة العقلية: إبراهيم لم يتأخر لحظة واحدة؛ أخذ السكين، وأضجع ابنه، وباشر قطع الأوداج، ولكن الله سبحانه سلب السكين خاصية القطع كما سلب النار خاصية الإحراق، فالأسباب كلها مقيدة بأمر خالقها ولا تعمل استقلالاً، وبذلك تحقق الاستسلام التام دون إراقة نفس الغلام المعصومة.
إيجاز الحذف في جواب {فَلَمَّا}: حذف الجواب تهويلاً لأمر ذلك الموقف وتفخيماً لما غمر النفوس من جلال الطاعة والدهشة وعظيم رحمة الله وتداركه لهما.
التعبير بـ {أَسْلَمَا} بصيغة التثنية: للدلالة على الشراكة الكاملة والاتحاد التام بين قلب الوالد وقلب الولد في الاستسلام لله، فليس هناك مجبر ومكره، بل عبدان خاشعان في محراب العبودية المطلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الإسلام الحق ليس لقلقة لسان ولا مجرد مشاعر، بل هو استسلام عملي كامل وطاعة نافذة لأمر الله ورسوله في كل ما نحب ونكره.
الوجدان الإيماني: استشعار عظمة مقام الخليلين؛ حيث قدما محبة رب العالمين على أعظم محاب النفس والولد، فاستحقا بذلك الخلود والثناء الإلهي في الملأ الأعلى.