إعلان قاعدة العدل الإلهي التام في استحقاق العذاب؛ حيث يطمئن الله العباد ويثبت الحجة على المجرمين بأنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة، فليس هذا العذاب الأليم الذي يذوقونه تجنياً ولا ظلماً ولا زيادة على استحقاقهم، بل هو عين ما كسبته أيديهم في دار الدنيا من الكفر والتكذيب والمظالم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 49)جامع البيانالطبري٢١/٤٩: «يقول تعالى ذكره: وما يثيبكم الله أيها المشركون بهذا العذاب الأليم إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله والكفر به والشرك به؛ لا يظلمكم شيئاً، بل يجازيكم بأعمالكم عدلاً وقسطاً».
وقال قتادة ومجاهد: «عدل من الله؛ لا يعاقب أحداً إلا بذنبه وعمله».
وقال ابن كثير: «أي لستم تعذبون إلا بأعمالكم التي أسلفتموها، لا يجور عليكم ولا يعذبكم بغير ذنب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة أو حالية، «ما» نافية لا عمل لها.
{تُجْزَوْنَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ «تجزون»، أو مصدرية؛ أي إلا جزاء عملكم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعقيب يرتبط بقوله {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ}؛ ليدفع أي توهم بأن هذا الوعيد الشديد قسوة غير مبررة، فبين أنه ثمرة أعمالهم وجزاؤها العادل، ليكون العذاب حسرة في قلوبهم باعترافهم بسوء صنيعهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم التعارض بين العدالة والخلود في العذاب: كيف يتطابق الجزاء مع العمل إذا كانت المعصية في زمن محدود والجزاء في خلود أبدي؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لميزان النية والعدالة الجزائية: بيّن أئمة السنة أن قوله {إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يطابق العمل بنوعه وبنيته؛ فالكافر أسس نيته الدائمة على الكفر ما دام حياً، ولو خلد في الدنيا لخلد كافراً محارباً، فقوبل استقراره الدائم على الكفر بالخلود في الجزاء، والجزاء مجسد لنفس قبح العمل، فالعدالة الإلهية قائمة بالقسطاس المستقيم.