المقارنة العقلية القرآنية الصاعقة بين ضيافة أهل الجنة وعذاب أهل النار؛ حيث يضع الله العقول أمام خيارين لا ثالث لهما: أذلك النعيم المقيم والرزق المعلوم والفواكه والسرر والحور العين خير ضيافة ونُزلاً وقِرى، أم شجرة الزقوم الخبيثة الملعونة النابتة في قعر الجحيم؟
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 72)جامع البيانالطبري٢١/٧٢: «يقول تعالى ذكره: أذلك الذي وصفنا من نعيم أهل الجنة في الجنة، وما أعددنا لهم فيها من الرزق والكرامة، خير نزلاً؛ يعني: قرى وضيافة، أم شجرة الزقوم التي أعددناها طعاماً لأهل النار في الجحيم؟ والاستفهام هنا للتقرير والتبكيت للمشركين».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «النزل: هو القِرى وما يُهيأ للضيف عند قدومه، قارن الله بين قِرى أهل الجنة وقِرى أهل النار».
وقال ابن كثير: «هذا استفهام تقرير وتوبيخ؛ أي أهذا الذي ذكرناه من نعيم الجنة وملاذها ومشاربها خير نزلاً، أم شجرة الزقوم التي هي في جهنم؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَذَٰلِكَ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، «ذلك» اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال.
{نُّزُلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة. والنُّزُل: ما يُعد للضيف من طعام وضيافة وكرامة عند نزوله.
{أَمْ}: حرف عطف متصل للمعادلة.
{شَجَرَةُ}: معطوف على اسم الإشارة مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الزَّقُّومِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والزقوم: شجرة خبيثة من أنتن الشجر وأمره، مشتق من التزقم وهو الابتلاع بكره ومشقة وغصة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستفهام يمثل نقطة التحول والمفارقة البديعة؛ فبعد أن أتم بسط نعيم الجنة حتى قوله {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}، واجه المشركين والمكذبين بهذه المقارنة البديهية ليدفعهم دفعاً إلى العقل واليقظة قبل أن يفصل أهوال شجرة الزقوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعمال اسم التفضيل {خَيْرٌ} بين ما فيه خير محض (الجنة) وما لا خير فيه مطلقاً (الزقوم): كيف يقال: أذلك خير أم شجرة الزقوم والزقوم شر ودمار محض؟
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية واللغوية لأساليب القرآن: استعمال «خير» هنا ليس لإثبات فضل للزقوم، بل هو أسلوب عربي معروف يسمى «المقارنة الإلزامية للتبكيت والتهكم»؛ كما يقول الأب لابنه العاق: «أبر الوالدين خير أم عقوقهما والسجن؟»، وكقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}؛ فالمقصود إظهار البون الشاسع وحمل الخصم على الاعتراف القسري بأنه اختار الشر المحض وسلك درب الخسران المبين.