حكاية كلام القرين المشكك واستهزائه بعقيدة البعث في الدنيا؛ حيث كان ذلك الصاحب المشرك يواجه المؤمن بتهكم واستنكار قائلاً: أإنك حقاً لمن المصدقين بيوم القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار؟ كيف يصدق عقلك بهذه الخرافات والأساطير الغيبية؟
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 62)جامع البيانالطبري٢١/٦٢: «يقول تعالى ذكره: يخبر هذا المؤمن عن قرينه المشرك أنه كان يقول له في الدنيا منكراً عليه: أإنك يا فلان لمن المصدقين بالبعث بعد الموت والحساب والثواب والعقاب؟ يتعجب منه ويسخر من تصديقه، وعن قتادة ومجاهد قالا: {لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ}؛ أي بالبعث والنشور بعد الموت».
وقال ابن كثير: «أي كان صاحبي في الدنيا يتعجب مني إذا تصدقت أو آمنت بالمعاد، ويقول مستنكراً: أإنك لمن المصدقين بأننا سنبعث بعد الموت؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَقُولُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على القرين، والجملة في محل رفع نعت لـ «قرين» أو حال منه.
{الْمُصَدِّقِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر «إنّ»، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب. والمصدق: اسم فاعل من صدّق؛ وهو الموقن بالحق الجازم بوقوع الوعد الإلهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التفصيل يجسد طبيعة الخصومة الفكرية التي دارت بينهما في الدنيا؛ فالقرين لم يكن مجرد عاصٍ، بل كان ناشراً للشك، محارباً لعقيدة الإيمان، يستهدف زعزعة يقين صاحبه المؤمن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ممارسة الضغط النفسي والاستهزاء لزعزعة قناعات المؤمنين: يستعمل الملاحدة والمشككون أسلوب السخرية لإشعار المؤمن بالدونية والرجعية والتخلف الفكري.
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية لموقف القرين: كشف القرآن أن أسلوب القرين {أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} هو نفس الأسلوب الذي يمارسه المستغربون والدهريون في كل زمان؛ حين يرمون المؤمنين بالسذاجة لتصديقهم بالغيبيات، والمؤمن الصلب لا يتزعزع يقينه أمام ضغوط الاستهزاء بل يزداد إيماناً وثباتاً لعلمه بجهل الساخرين.