التنديد بقسوة قلوبهم وانغلاق منافذ التذكر والموعظة لديهم؛ فإذا وُعظ هؤلاء المشركون بآيات الله، أو ذُكّروا بآلائه ونعمه ومصارع الأمم الغابرة من قبلهم، لم يتذكروا ولم ينتفعوا بالذكرى، بل تمر المواعظ على قلوبهم كالمطر على الصخر الأملس فلا تزيدهم إلا قسوة ونفوراً.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 21)جامع البيانالطبري٢١/٢١: «يقول تعالى ذكره: وإذا وُعظ هؤلاء المشركون بآيات الله، ونُبّهوا على حججه وأدلته على قدرته ووحدانيته، لا يذكرون؛ أي لا يتعظون بتذكير الله، ولا يتفكرون في حججه فيعتبروا بها وينزجروا عما هم عليه من الشرك والضلال».
وقال قتادة: «إذا ذُكّروا بالقرآن وبأيام الله لم ينتفعوا بذلك ولم يرفعوا به رأساً».
وقال ابن كثير: «أي إذا نُبهوا على ما هم فيه من الضلال لم يرعووا ولم يرجعوا، بل يستمرون على ما هم عليه من الجحود والعناد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{ذُكِّرُوا}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ «إذا». والتذكير: إرجاع الشيء المنسي إلى الذهن، والوعظ والنصح.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يَذْكُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط لـ «إذا». ومعنى لا يذكرون: لا يتعظون ولا ينتفعون بالذكرى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الوصف يكشف التدرج النفسي في سقوطهم؛ ففي الآية السابقة كانوا يسخرون {وَيَسْخَرُونَ}، وترتب على سخريتهم موت قلوبهم بحيث إذا جاءهم التذكير والنصح امتنعوا عن التدبر {لَا يَذْكُرُونَ}، وفي الآية اللاحقة يتمادون إلى استدعاء السخرية من المعجزات، في سلسلة متصلة من الانحدار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انقطاع العذر للغافل والمعاند: هل يعذر الإنسان إذا نسي الحق ولم يتذكره؟
رد الشبهة بالمحاكمة الشرعية لمرض الإعراض المتعمد: فرقت الآية بين النسيان الجبلي العارض الذي يعذر فيه الإنسان، وبين الإعراض المتعمد الذي يقابل به التذكير؛ فالآية تقول: {وَإِذَا ذُكِّرُوا}؛ أي بُذل لهم التنبيه وأقيمت الحجة وأزيل النسيان، ومع ذلك أصروا على عدم التذكر، فامتناعهم عن التذكر كان بقرار إرادي كافر يستوجب العقوبة والمقت.
بناء الفعل للمجهول في {ذُكِّرُوا}: لإفادة العموم والاستيعاب التام؛ فمهما كان المذكِّر (نبياً، أو واعظاً، أو قرآناً، أو مصيبة، أو آية كونية) فإن النتيجة واحدة لديهم وهي الصدود.
التنكيس في الفعلين {ذُكِّرُوا... لَا يَذْكُرُونَ}: جناس اشتقاقي يفيد المقابلة بين فعل التذكير المبذول لهم وبين عدم استجابتهم، وهو قمة الخذلان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفقد حياة القلب وحيويته؛ فعلامة القلب المؤمن أنه يلين للذكرى ويهتز للموعظة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}.
دوام التذكير بالقرآن ولو أعرض المعرضون؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين وتقيم الحجة على الجاحدين.