اعتراف الرؤساء الأخير بجريمتهم وكشف الدافع النفسي لإضلالهم أتباعهم؛ حيث يصرح القادة للأتباع: نعم، لقد دعوناكم إلى الغواية وزيناها لكم، لأننا كنا في أنفسنا ضالين هالكين فاسدين، فأردنا أن تكونوا معنا في الغواية والعذاب لتشاركونا مصيرنا، فلا تلومونا اليوم ولوموا أنفسكم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 43)جامع البيانالطبري٢١/٤٣: «يقول تعالى ذكره: قال المتبوعون للأتباع: فدعوناكم إلى الغي والضلال فاستجبتم لنا، إنا كنا نحن ضالين غاوين عن طريق الهدى، فجررناكم إلى ما نحن فيه لنكون وإياكم في الغي سواء».
وقال قتادة ومجاهد: «{فَأَغْوَيْنَاكُمْ}؛ أي دعوناكم إلى الضلالة فأجبتمونا، {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ}؛ أي ضالين عن الهدى، والغاوي هو المنهمك في الفساد والضلال».
وقال ابن كثير: «اعترفوا بأنهم دعوهم إلى الضلالة لأنهم كانوا ضالين في أنفسهم، كما قال إبليس: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَغْوَيْنَاكُمْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، «أغوينا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع. والإغواء: الإضلال والتزيين للباطل حتى يقع في الغي؛ وهو ضد الرشد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإقرار هو خاتمة الحوار الدرامي بين الفريقين؛ فلما أسقطوا كل لوم متبادل، اعترف القادة بالحقيقة المجردة دون مواربة: نحن غواة وأنتم تبعتم غواة، فالمأساة مشتركة والعلة واحدة وهي الانحراف عن الرشد إلى الغي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انخداع العامة بالشعارات البراقة للزعامات الضالة: كيف يتبع ملايين البشر دعاة وهم يعلمون أو يشهدون ضلالهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية والاجتماعية لعدوى الضلال: كشفت الآية سيكولوجية الشر؛ الفاسد والغاوي لا يطيق أن يرى غيره مستقيماً، بل يجتهد بكل وسيلة لإفساد المجتمع ليخفف من عقدة نقصه ويشعر بالكثرة، والجاهل الضعيف ينخدع بالزخرف، فإذا وقع العذاب انجلت الحقيقة وصار الجميع في خزي واحد: {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ}.