تقرير الحجة الإلهية البالغة وكمال العدل في إرسال الرسل؛ حيث يؤكد سبحانه أنه لم يعذب تلك الأمم الأكثرية الضالة بغير إنذار ولا حجة، بل أرسل فيهم رسلاً كراماً وأنذروهم عذاب الله، وحذروهم مغبة الشرك والظلم، وقطعوا معاذيرهم بالبينات والمعجزات، فكذبوا واستكبروا فاستحقوا الهلاك.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 82)جامع البيانالطبري٢١/٨٢: «يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا في أولئك الأولين الذين ضل أكثرهم رسلاً منذرين، ينذرونهم بأسنا وعقابنا على كفرهم، ويحذرونهم نكالي، فلم نؤاخذهم إلا بعد قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم».
وقال قتادة ومجاهد: «{مُّنذِرِينَ}؛ يعني الرسل ينذرونهم عقاب الله وسخطه».
وقال ابن كثير: «أي أرسلنا في الأمم الماضية رسلاً ينذرونهم بأس الله ويحذرونهم نقمته، فكذبوا رسلهم فحل بهم الدمار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو عاطفة، واللام للقسم، و«قد» حرف تحقيق.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل.
{فِيهِم}: جار ومجرور متعلق بأرسلنا، والضمير يعود على الأكثرين من الأولين.
{مُّنذِرِينَ}: مفعول به لـ «أرسلنا» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، واسم الفاعل «منذرين» مأخوذ من الإنذار؛ وهو الإخبار المخوّف المقترن بالدعوة والإرشاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البيان يأتي تكميلاً للعدالة بعد بيان ضلال الأكثرين في الآية 71؛ لئلا يُظن أن الله تركهم هملاً دون هداية، فبين أنه أرسل فيهم النذر تلو النذر، مما يسقط كل عذر للمكذبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع العقاب الإلهي للأمم بغير إنذار مسبق: يدعي بعض الملاحدة أن إهلاك الأمم السابقة كان قسوة بغير تبيين.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لقاعدة نفي التعذيب قبل الإنذار: نصت الآية نصاً حاسماً على وقوع الإنذار {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ}، متطابقة مع القاعدة القرآنية الكلية: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}؛ فالعذاب لم ينزل إلا بعد الإنذار والبيان وإقامة الحجة البالغة وعتو القوم واستكبارهم، فالعدل الإلهي مطلق في كل زمان.