المفاجأة البصرية الصاعقة ومعاينة المصير الرهيب للقرين المستكبر؛ حيث أشرف هذا المؤمن فنظر واطلع إلى النار، فإذا به يرى قرينه وصاحبه الذي كان يسخر منه في الدنيا ملقى في وسط جهنم ولبها وأشد مواضعها سعراً وحراً وعذاباً، وهو يتلوى بين النيران والسلاسل.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 65)جامع البيانالطبري٢١/٦٥: «يقول تعالى ذكره: فاطلع هذا المؤمن من كوة أو موضع في الجنة إلى النار، فرأى قرينه ذلك الذي كان يكذب بالبعث في سواء الجحيم؛ يعني: في وسط الجحيم وعين سعيرها وأشد مواضعها حراً، وسواء الشيء: وسطه، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي: سواء الجحيم: وسط النار ولبها وأشدها عذاباً».
وروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار وابن عباس قالا: «في الجنة كوى ومنافذ، فإذا أراد أحدهم أن ينظر إلى عدوه في النار نظر من تلك الكوة، فرآه في سواء الجحيم يغلي دماغه في النيران، فيعرفه المؤمن ولا يعرفه الكافر».
وقال ابن كثير: «اطلع فأشرف على النار فرأى صاحبه في وسط الجحيم محاطاً بالعذاب والنكال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَاطَّلَعَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، «اطّلع» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على المؤمن.
{فَرَآهُ}: الفاء عاطفة، «رأى» فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به مبني في محل نصب. والرؤية هنا بصرية عيانية.
{فِي سَوَاءِ}: جار ومجرور متعلق برآه أو بمحذوف حال من الهاء (أي كائناً في سواء الجحيم). وسواء الشيء: وسطه وعدله وأصله.
{الْجَحِيمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإنجاز البصري الفوري {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ} يأتي ترتباً مباشراً على عرضه في الآية السابقة {هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ}؛ ليرسم القرآن المشهد بحيوية وسرعة مذهلة تنقل القارئ إلى قلب الحدث الأخروي لمشاهدة الهوة السحيقة بين العابدين في أعلى عليين والمعاندين في أسفل دركات الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم حزن المؤمن في الجنة إذا رأى صاحبه في النار: هل ينغص الحزن والشفقة نعيم أهل الجنة عند رؤية معارفهم يتعذبون؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والنفسية لصفاء الولاء والبراء في الآخرة: يطهر الله قلوب أهل الجنة من أي شفقة على أعداء الله الكافرين؛ فالولاء والبراء يكتمل في الآخرة، وحين يرى المؤمن قرينه في وسط الجحيم لا يحزن عليه، بل يرى فيه تجسيداً لعدالة الله وانتقامه من الطغاة، ويمتلئ قلبه فرحاً بفضل الله الذي عصمه من مسلك هذا الهالك، فلا حزن في الجنة إطلاقاً.
إيثار لفظ {فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ}: للدلالة على أنه لم يكن على حافة النار أو أطرافها، بل كان في مركز السعير وبؤرة اللهب الأشد إحراقاً، جزاء وفاقاً على تصدره في الشك والاستكبار.
التعقيب بالفاءين {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ}: لإفادة سرعة كشف المشهد ودقة الرؤية؛ فلم يبحث طويلاً في غياهب النار، بل وقع بصره عليه فوراً بأمر الله وحكمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شهود حقيقة عاقبة الاستهزاء؛ فالذي كان يسخر من التوحيد صار حطباً في وسط الجحيم، ومن كان مستضعفاً صابراً صار ملكاً منعماً في الفردوس.
الاستعاذة بالله من دركات النار؛ فإن «سواء الجحيم» موضع تتفطر منه الأكباد رعباً وهولاً.