صيحة الفرح الكبرى وإعلان الحقيقة الوجودية الخالدة؛ حيث يهتف المؤمنون مستبشرين بعد شهود النعيم والخلود وسلامة الأبدان والأرواح: إن هذا النعيم المقيم والرضوان الدائم والنجاة من النيران لهو الفوز الحقيقي العظيم الذي لا يدانيه فوز، ولا يقاس به أي ربح أو ملك في هذه الحياة الدنيا.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 70)جامع البيانالطبري٢١/٧٠: «يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أعطانا الله من النعيم والكرامة الدائمة، وخلود الأبد، والنجاة من النار وعذابها، لهو الفوز العظيم؛ يعني: لهو الظفر بالبغية الكبرى، والنجاة من كل مكروه، وهو أعظم الفوز الذي لا فوز وراءه».
وقال قتادة: «قالوا ذلك حمداً لله واعترافاً بأن الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة».
وقال ابن كثير: «هذا من تمام كلام أهل الجنة واغتباطهم بما أوتوا، يقولون: إن هذا النعيم والأمان لهو الفوز العظيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم «إنّ».
{لَهُوَ}: اللام المزحلقة للتأكيد، «هو» ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْفَوْزُ}: خبر «إنّ» مرفوع بالضمة الظاهرة (أو خبر المبتدأ «هو» والجملة خبر إن). والفوز: الظفر بالمرغوب والنجاة من المرهوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه الشهادة تمثل خلاصة المشهد الختامي لقصة القرين ونعيم الجنة؛ فبعد أن عدد مظاهر النعيم ونفي الموت والعذاب، توج هذا المشهد بهذا الحكم الكلي القطعي: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ليكون شعار أهل الجنة الدائم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المقاييس الدنيوية الزائفة لمفهوم الفوز والنجاح: يعتبر أهل الدنيا حيازة الأموال والشهادات والمناصب والمتابعين هو الفوز والنجاح.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لحقيقة الفوز في الميزان القرآني: بينت الآية الميزان الصحيح؛ فكل فوز ينقطع بالموت ويزول فهو فوز زائف عارض ومتاع غرور، أما الفوز الحقيقي الحصري المؤكد بأربعة مؤكدات فهو النجاة من سخط الله ودخول جنات النعيم والخلود فيها: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
اجتماع أربعة مؤكدات في جملة واحدة (إنّ، واسم الإشارة، ولام الابتداء المزحلقة، وضمير الفصل): لإفادة الحصر والتخصيص واليقين القاطع بأن الفوز محصور في هذا النعيم لا في غيره.
تعريف الجزأين (هو الفوز): يفيد القصر والكمال؛ كأنه لا فوز في الوجود يستحق أن يسمى فوزاً إلا هذا.
الوصف بـ {الْعَظِيمُ}: للدلالة على أنه فوق مستوى التصور والأوهام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تصحيح معايير النجاح والفوز في حياة المسلم؛ فلا يأسف على ما فاته من الدنيا ما دام على صراط الإيمان المستقيم.
شحذ الهمم وبعث العزائم لنيل هذا الفوز العظيم بالعمل الصالح والصبر والإخلاص.