التبكيت والتقريع الصاعق الموجه للظلمة في موقف الاستيقاف؛ حيث يقال لهم سخرية وتهكماً وتفريعاً على عجزهم: ما بالكم اليوم لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم تزعمون في الدنيا وتتظاهرون بالقوة والتحالف؟ أين أحلافكم وأين عصباتكم وأين آلهتكم التي كنتم تلوذون بها وتنتظرون نصرها؟ لقد تلاشت كل قواكم وصار الجميع عاجزين أذلاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 34)جامع البيانالطبري٢١/٣٤: «يقول تعالى ذكره: ويقال لهؤلاء الظلمة الموقوفين في الحساب توبيخاً وتبكيتاً: ما لكم أيها المشركون لا ينصر بعضكم بعضاً اليوم كما كنتم تفعلون في الدنيا في أحلافكم وعصباتكم؟ أين نصرتكم التي كنتم تعدون بها أنفسكم وتعتزون بها؟ وقرأ الجمهور {لَا تَنَاصَرُونَ} بتشديد التاء؛ وأصله: تتناصرون، فأدغمت إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ البزي عن ابن كثير بإدغام التاء مع المد، وقرأ غيرهم بتخفيف التاء بحذف إحداهما للتخفيف».
وقال مجاهد وقتادة: «يقال لهم ذلك توبيخاً وتعجيزاً؛ أين ما كنتم تتعصبون به وتتناصرون عليه في الدنيا؟».
وقال ابن كثير: «أي يقال لهم توبيخاً وتهكماً: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً ويدفع بعضكم عن بعض العذاب؟ بل كل منكم اليوم مغلوب مقهور مشغول بنفسه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{تَنَاصَرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل. وأصله: تتناصرون، حذفت إحدى التاءين تخفيفاً أو أدغمت في قراءة التشديد، والجملة في محل نصب حال من الضمير المجرور في «لكم»؛ أي: ما بالكم غير متناصرين؟ والتناصر: نصرة البعض للبعض الآخر ومؤازرته في الشدائد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا السؤال التهكمي يتصل ترتباً على قوله {إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}؛ فبدأت المساءلة بهذا التبكيت المزلزل الذي يكشف سقوط كل تحالفات الباطل وأكاذيب القوة والمنعة الجاهلية، ويضعهم في مواجهة عجزهم التام وانقطاع حيلتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكتلات والأحزاب في حماية المفسدين: يعتمد الظلمة والمجرمون في الدنيا على نصرة لوبياتهم وعشائرهم وعصاباتهم للنجاة من العدالة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية ليوم الحشر الفردي وسقوط التناصر الباطل: أثبتت الآية أن تناصر الدنيا القائم على العصبية والباطل يتبخر بالكامل يوم القيامة؛ فلا تنفع عشيرة ولا حزب ولا جيش: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}، فالنصر الحقيقي لله وحده، وسؤال {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} يقطع كل أمل كاذب في شفاعة أو نصرة أرضية.
الاستفهام التهكمي التعجيزي بـ {مَا لَكُمْ}: لإظهار قمة الخزي والشماتة العادلة بهم؛ فمن كان يملأ الأرض صياحاً وفخراً بالعشيرة والأنصار، صار أخرس لا يجد من ينصره ولا يقوى على نصرة غيره.
صيغة التفاعل في {تَنَاصَرُونَ}: تدل على المشاركة التبادلية في النصر؛ أي لا هذا ينصر ذاك ولا ذاك ينصر هذا، بل تفرقت بهم السبل وسقط الجميع صرعى العجز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الولاء لله ورسوله والمؤمنين؛ فكل تناصر على الباطل والظلم سينقلب يوم القيامة عداوة وخزياً وندامة.
اليقين بأن القوة لله جميعاً؛ فلا يغتر مؤمن بانتفاش الباطل وتجمع أحزابه، فمصيرهم المحتوم هو الوقوف العاجز الأخرس أمام عدالة الديان.