بيان سرعة البعث وسهولته الخاطفة أمام كمال القدرة الإلهية، ومباغتة الخروج من القبور؛ فما أمر البعث والإحياء بعد ذلك التردد والتكذيب إلا صيحة واحدة ونفخة واحدة ينفخها إسرافيل عليه السلام في الصور، فإذا بجميع الخلائق أمواتاً قد انتفضوا من قبورهم قياماً أحياء، شاخصة أبصارهم ينظرون إلى أهوال يوم القيامة وما يحيط بهم من الفزع والدهشة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 27)جامع البيانالطبري٢١/٢٧: «يقول تعالى ذكره: ما بعثهم وإحياؤهم بعد مماتهم إلا صيحة واحدة ونفخة واحدة في الصور، فإذا هم أحياء قيام من قبورهم ينظرون؛ والزجرة في كلام العرب: الصيحة الشديدة التي ينزجر بها من يسمعها، فإذا نفخ إسرافيل النفخة الثانية خرجوا من قبورهم سراعاً ينظرون إلى هول ما نزل بهم».
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والحسن: «{زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}؛ أي صيحة واحدة ونفخة واحدة وهي نفخة البعث والنشور».
وقال ابن كثير: «أي إنما هو أمر واحد من الله تعالى يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم بين يديه قيام ينظرون، كما قال: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِنَّمَا}: الفاء استئنافية أو فصيحة، «إنما» كافة ومكفوفة تفيد القصر والحصر.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، وهو ضمير القصة أو يعود على البعثة أو الواقعة.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة الفورية، «إذا» حرف فجاءة لا محل له من الإعراب.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يَنظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «هم»، وجملة الفجاءة معطوفة على ما قبلها. والنظر هنا إما بالعين؛ أي ينظرون بأبصارهم شاخصين، أو الانتظار؛ أي ينتظرون ما يصنع بهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الفوري يرتبط بقوله {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}؛ فلما أخبرهم أنهم سيبعثون صاغرين، بين لهم كيف ومتى وبأي سرعة يتحقق هذا الوعيد؛ فبين أنه لن يحتاج إلى معالجة طويلة ولا تدريج بطيء، بل بصيحة واحدة لا غير يكون الجميع في عرصات الحشر مبهوتين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استثقال إحياء ملايين الموتى المتفرقين في الأزمان والأمكنة دفعة واحدة: يظن المنكر أن جمع تراب البلايين يحتاج إلى آلات ومدة زمنية متطاولة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية للأمر التكويني الإلهي المحيط: كشفت الآية بأسلوب الحصر {إِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أن الإحياء لا يُقاس بأفعال المخلوقين؛ فالأمر كله نداء تكويني واحد وصيحة خاطفة تهتز لها ذرات الكون، فتتجمع الأجساد وتلتحم الأرواح في طرفة عين، كالزر الذي يُضغط فتضاء به مدينة بأكملها في جزء من الثانية، ولله المثل الأعلى في خلقه وأمره: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.