الاعتراف الكامل بالفضل الإلهي والتوحيد الخالص في نسبة النجاة لله وحده؛ حيث يعلن المؤمن حقيقة يقينية: لولا فضل الله عليّ ورحمته وتثبيته لقلبي على التوحيد وتوفيقي للإيمان، لكنت اليوم معك في وسط الجحيم من المحضرين في العذاب المقيم المصفدين في الأغلال.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 67)جامع البيانالطبري٢١/٦٧: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمن لقرينه: ولولا نعمة ربي عليّ بهدايته إياي للإيمان وتثبيتي على الحق، لكنت من المحضرين معك في العذاب في سواء الجحيم، وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: {مِنَ الْمُحْضَرِينَ}؛ أي في النار والعذاب».
وقال ابن كثير: «أي لولا فضل الله ورحمته وتوفيقه وعصمته، لكنت مثلك في سواء الجحيم محضراً معك في العذاب، ولكنه تفضل عليّ فرحمني وهداني للإيمان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْلَا}: الواو عاطفة، «لولا» حرف امتناع لوجود شرطي غير جازم.
{نِعْمَةُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وخبره محذوف وجوباً تقديره: موجودة أو تداركتني، ونعمة مضاف.
{رَبِّي}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{لَكُنتُ}: اللام واقعة في جواب لولا، «كنت» فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه في محل رفع.
{مِنَ الْمُحْضَرِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «كنت»، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم. وجملة لكنت جواب لولا لا محل لها من الإعراب. والمحضر: اسم مفعول من أحضر؛ وهو المجلوب قسراً وجبراً للعذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاعتراف يكمل الآية السابقة {إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ}؛ فبعد أن بين سبب الهلاك وهو كيد القرين، بيّن سبب النجاة الحقيقي وهو {نِعْمَةُ رَبِّي}، ليعلم أن النجاة ليست بذكاء العبد ولا بقوته الذاتية، بل بمحض فضل الله ورحمته وتثبيته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار المؤمن بعمله الصالح وظنه أنه دخل الجنة بمجرد جهده: قد يظن العابد أنه نجح بذكائه وتفوقه الفكري على قرينه.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لأهل السنة في فضل الله المطلق: قطعت الآية دابر الغرور؛ فالإنسان ضعيف تتقاذفه الأهواء، ولولا أن الله أنعم عليه بتثبيت قلبه لضل كما ضل غيره، كما ثبت في الصحيحين: «لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، فالفضل لله أولاً وآخراً.
إضافة الرب إلى ياء المتكلم {رَبِّي}: تفيض بالمحبة والالتجاء والاعتراف بالتربية والرعاية الخاصة التي حفت هذا المؤمن في خضم فتن الدنيا.
استعمال اسم المفعول {الْمُحْضَرِينَ}: يستدعي مشهد القهر والجبر الذي ذكره الله في أول السورة {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ}؛ فالإحضار في النار إحضار إذلال وسوق جبري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة التواضع لله والاعتراف بنعمه؛ فكل هداية وتوفيق واستقامة ليست بكسبك الذاتي بل هي محض منحة إلهية تستوجب دوام الشكر.
الدعاء الدائم بالثبات: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»؛ خوفاً من الانتكاس والركون إلى النفس.