تصوير السرعة العمياء والاندفاع الطائش في اتباع ضلالات الآباء؛ حيث يصورهم القرآن بأنهم يساقون ويهرولون حثيثاً وراء خطوات آبائهم الضالين بغير تفكير ولا تريث، كأنهم مدفوعون برياح العصبية العمياء والتقليد المذموم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 80)جامع البيانالطبري٢١/٨٠: «يقول تعالى ذكره: فهؤلاء المشركون على آثار آبائهم الضالين يهرعون؛ أي يسرعون ويستحثون في اتباعهم والمضي على منهاجهم، والإهراع في كلام العرب: الإسراع الشديد في رعدة وفزع أو حث، يقال: أهرع فلان فهو يُهرع إذا حثه حادٍ أو أسرع في مشيه عجلاً».
وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: «{يُهْرَعُونَ}؛ أي يسعون ويهرولون في آثارهم دون تثبت ولا روية».
وقال ابن كثير: «أي يسرعون في اتباعهم بلا دليل؛ كأنهم مدفوعون ومحفوزون إلى ذلك حثاً وإسراعاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَىٰ آثَارِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بيهرعون، وقُدّم للاهتمام ولرعاية الفواصل، والآثار جمع أثر وهو موضع القدم ومسلك السير.
{يُهْرَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول (وهو من الأفعال التي لزمت البناء للمجهول في الاستعمال) مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة خبر المبتدأ «هم». والإهراع: الإسراع مع الرعدة والحث والدفع السريع كأن أحداً يسوقه من خلفه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التصوير الحركي يترتب على الآية السابقة {أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ}؛ فبين كيف كان موقفهم بعد أن وجدوا الآباء ضالين؛ لم يتوقفوا للحظة واحدة للمراجعة والتدبر، بل أسرعوا وهرعوا في نفس المسلك الهالك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاندفاع الجماعي وسلطان القطيع: لماذا يسير الناس في مسالك الضلال بسرعة جماعية دون تفكير فردي؟
رد الشبهة بالمحاكمة السيكولوجية لسلوك القطيع في لفظ {يُهْرَعُونَ}: لفظ «يُهرعون» المبني للمجهول يكشف سر الظاهرة؛ فالإنسان في الجماعات الجاهلية يفقد عقله النقدي الفردي وينقاد لـ «سيكولوجية القطيع»، فيشعر كأن قوة خفية تدفعه دفعاً مع الحشود إلى الهاوية، والقرآن يكسر هذا الانقياد الأعمى ويطالب كل فرد بالوقوف والتأمل المستقل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}.
البناء للمجهول في {يُهْرَعُونَ}: استعارة تمثيلية بارعة؛ تصورهم كأنهم دواب مغلوبة على أمرها يسوقها حادٍ بعصاه سوقاً حثيثاً لا تملك معه امتناعاً ولا تفكيراً.
تقديم المعمول {عَلَىٰ آثَارِهِمْ}: لبيان شدة تمسكهم بتلك الآثار الدقيقة؛ فلا ينحرفون عنها قيد شبر ولو كانت تفضي إلى الهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التمهل والروية والتثبت في القرارات المصيرية والعقائدية؛ فالمؤمن لا يسير مع التيار ولا يهرع خلف الموضات والأفكار الهدامة لمجرد أن الناس يتبعونها.
الاستقلال الإيماني؛ فكن صاحب رأي وبصيرة: «لا تكونوا إمعة؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم».