استكمال إعلان الأمان المطلق ونفي العذاب والموت؛ حيث يقرر المؤمنون في الجنة: لن نذوق الموت أبداً إلا تلك الموتة الواحدة التي متناها في دار الدنيا وانتهت، وما نحن بمعذبين في هذا النعيم المقيم، قد أذهب الله عنا الحزن وأبدلنا بالخوف أمناً وبالشقاء خلوداً وسعادة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 69)جامع البيانالطبري٢١/٦٩: «يقول تعالى ذكره: ليس يلحقنا موت إلا موتتنا الأولى التي متناها في الدنيا، وما نحن بمعذبين بعد دخولنا الجنة، قد أمّننا الله من العذاب والموت، وعن قتادة والسدي قالا: علموا أن كل نعيم في الدنيا ينقطع بالموت، فسألوا: هل في الجنة موت؟ فأخبروا أن لا موت فيها، فقالوا مستبشرين: إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين».
وقال ابن كثير: «استثناء منقطع أو متصل؛ أي لا نذوق موتاً سوى الموتة التي سلفت في الدنيا، ولسنا بمعذبين بوجه من الوجوه، بل في أمان دائم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن، أو متصل على تضمين الموت معنى مفارقة الحياة.
{مَوْتَتَنَا}: مستثنى منصوب بالفتحة الظاهرة وهو اسم مرة مضاف، و«نا» مضاف إليه.
{الْأُولَىٰ}: نعت لموتتنا منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل اسم «ما» أو مبتدأ.
{بِمُعَذَّبِينَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، «معذبين» خبر مجرور لفظاً منصوب محلاً. ومعذب: اسم مفعول من عذّب؛ أي لن يصيبنا أي عذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستثناء يقطع كل شك قد يعتري النفس؛ فذكر الموتة الأولى الماضية يبرز الفرق بين الموت الزائل في الدنيا وبين الخلود المطلق في الجنة، ونفي العذاب {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} يكمل نفي الموت؛ لأن بقاء الجسد حياً لا يكتمل إلا مع سلامته من الآلام والعذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعراب الاستثناء {إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ} وظن تكرار الموت: كيف يستثنى الماضي من المستقبل؟
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية والنحوية للاستثناء المنقطع أو المؤول: الاستثناء هنا منقطع باتفاق أئمة البيان؛ معناه: لكن موتتنا الأولى قد مضت وانقضت في الدنيا ولا موت يستقبلنا في الآخرة أبداً، أو هو استثناء متصل بتأويل: لا نذوق موتاً في مجموع حياتنا إلا الموتة الأولى المعهودة، فهو تأكيد للخلود ونفي للموت المستقبلي بالكلية.