بدء مشهد الخصومة الحامية والتقاذف باللوم والمسؤولية بين أهل النار في عرصات القيامة؛ حيث يلتفت التابعون إلى المتبوعين، والرعايا إلى السادة والكبراء، والقرناء إلى القرناء، يتساءلون سؤال تخاصم ولوم وتقريع وعتاب مرير: لمَ أضللتمونا؟ ولمَ أوردتمونا هذا العذاب الأليم؟
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 36)جامع البيانالطبري٢١/٣٦: «يقول تعالى ذكره: وأقبل بعض هؤلاء المشركين على بعض يتساءلون؛ يعني: يتلاومون ويخاصم بعضهم بعضاً، يسأل التابعون متبوعيهم: لمَ أضللتمونا وصددتمونا عن الهدى؟ ويسأل المتبوعون تابعيهم، فيقع التلاوم والندامة بينهم».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «يتساءلون: أي يتلاومون ويتحاجون في النار، كل فرقة تلوم الأخرى على ما وقعت فيه من الضلال».
وقال ابن كثير: «أقبل بعضهم على بعض يتلاومون ويتخاصمون كما قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَقْبَلَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، «أقبل» فعل ماض مبني على الفتح. والإقبال: التوجه نحو الشيء بالوجه والبدن.
{يَتَسَاءَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الفاعل؛ أي متسائلين متلاومين، وصيغة التفاعل تفيد الاشتراك والتبادل في توجيه اللوم والمساءلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد الحواري هو الثمرة المباشرة لإفلاسهم من التناصر والاستسلام في الآيتين السابقتين {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}؛ فلما أيقنوا بعدم وجود ناصر، انفتحت بينهم نيران الخصومة الداخلية والتلاوم المفرغ من أي جدوى، ليذوقوا العذاب النفسي فوق العذاب الجسدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم التناقض بين قوله {يَتَسَاءَلُونَ} وقوله {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}: كيف يثبت التساؤل هنا وينفى في سورة المؤمنون؟
رد الشبهة بالمحاكمة التفسيرية لتعدد مقامات يوم القيامة: نفي التساؤل يكون في مواقف الهول العظيم كالصعقة والبعث وتطاير الصحف والوقوف على شفير النار؛ حيث يذهل كل إنسان عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، أما إثبات التساؤل فهو في مواقف الحساب والحبس في العرصات ومحادثات أهل النار؛ حيث يتفرغون للتلاوم وإلقاء المسؤولية على بعضهم، فلا تعارض بين المواقف المتتابعة في ذلك اليوم الممتد خمسين ألف سنة.
صيغة التفاعل في {يَتَسَاءَلُونَ}: تصور تبادل الأسئلة والاتهامات؛ فالكل مذنب، والكل يحاول تبرئة نفسه بإلقاء اللائمة على شريكه.
التعبير بـ {أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}: استحضار بصري للمشهد الحواري؛ كأنهم كانوا متدابرين من الخزي ثم واجه بعضهم بعضاً بالعداوة بعد أن كانوا في الدنيا أحباباً متوافقين على المنكر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التحالفات الفاسدة والصداقات السيئة؛ فكل خلة لا تقوم على تقوى الله ستنقلب يوم القيامة عداوة وخصومة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
تحمل المسؤولية الذاتية في الدنيا؛ فلا يلقي الإنسان بلومه على البيئة أو رفاق السوء، فالحساب فردي لا تنفع فيه الأعذار.