افتتاحية جليلة يقسم الله فيها بجمهور الملائكة الأبرار المصطفين صفوفاً متراصة في السماء؛ خاضعين لعظمة الله، عابدين مسبحين قائمين بأمره، ومستعدين لإنفاذ مشيئته التكوينية والتشريعية في أرجاء ملكوته.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 5)جامع البيانالطبري٢١/٥: «يقول تعالى ذكره: والصافات صفاً؛ يعني بذلك: والملائكة الذين يصفون في السماء صفوفاً لطاعة الله وعبادته، كما يصف أهل الأرض في صلاتهم، وعن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق قالوا: الصافات صفا: هم الملائكة تصف في السماء صفوفاً للعبادة والتسبيح».
وثبت في «صحيح مسلم» (حديث 430) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأُوَل، ويتراصون في الصف».
وقال ابن كثير: «أقسم تعالى بملائكته الكرام الصافين في عبادته وطاعته، لبيان شرفهم وعلو مكانتهم عنده سبحانه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالصَّافَّاتِ}: الواو واو القسم حرف جر، «الصافات» اسم مجرور بواو القسم وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوباً تقديره: أقسم بالصافات. والصافات جمع صافة، اسم فاعل من صف يصف، وهو ترتيب الأفراد على خط واحد مستقيم.
{صَفًّا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لعامله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الافتتاح بالقسم بمخلوقات علوية طاهرة ممتثلة يمهد لجواب القسم العظيم: {إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}؛ فالمقسم بهم جنود الله المطيعون، والمقسم عليه هو وحدانيته المطلقة، ليعلم المشركون العاصون أن في الكون خلقاً هائلاً لا يفتر عن طاعة ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قسم الخالق بمخلوقاته: كيف يقسم الله بالملائكة والله لا يقسم إلا بعظيم، وهل يجوز للعبد أن يقسم بها؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية واللغوية لأفعال الله وأحكامه: لله تعالى وحده أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيهاً على عظمته ولفت الأنظار إلى عظيم صنعه ودلائل قدرته؛ فالقسم بالملائكة تكريم لها وبيان لعلو مقامها، أما المخلوق فلا يجوز له شرعاً أن يقسم إلا بالله وحده، كما صح في الحديث: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»؛ لأن القسم بالمخلوق للعبد شرك أصغر لما فيه من تعظيم غير الله.
التأكيد بالمفعول المطلق {صَفًّا}: يفيد كمال الانضباط والتراص؛ فلا اعوجاج ولا تقدم لأحد على أحد، وهو مشهد يفيض بالجلال والمهابة.
جمع المؤنث السالم {وَالصَّافَّاتِ}: إما لجماعات الملائكة أو لجموعها وفرقها، وليس دليلاً على تأنيث الذوات كما زعم المشركون؛ فالملائكة عباد مكرمون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس أدب تسوية الصفوف وتراصها في صلاة الجماعة؛ تأسياً بالملائكة في حضرة الله تعالى.
استشعار عظمة العبادة الإلهية؛ فالكون يمتلئ بخلق عظيم يصفون طائعين، فحري بالإنسان الضعيف أن يسارع إلى صفوف الراكعين الساجدين.