الصفة الثالثة العظمى للملائكة المقسم بهم؛ وهم الملائكة الذين يتلون ذكر الله تعالى وكتبه المنزلة وشرائعه الحكيمة، وينزلون بالوحي من عند الله على أنبيائه ورسله لهداية البشر، أو يتلون التسبيح والتمجيد لله في الملأ الأعلى.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 7)جامع البيانالطبري٢١/٧: «يقول تعالى ذكره: فالتاليات ذكراً؛ يعني الملائكة التي تتلو كتب الله وذكره على أنبيائه ورسله بالوحي، وعن ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك قالوا: التاليات ذكراً: هم الملائكة يجيئون بالذكر والقرآن من عند الله إلى خلقه».
وقال ابن كثير: «يعني الملائكة تتلو كلام الله وذكره على رسله، كما قال: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا}».
وقال السعدي: «تتلو الذكر وهو الكتب الإلهية المشتملة على الأوامر والنواهي والأخبار الصادقة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَالتَّالِيَاتِ}: الفاء عاطفة، «التاليات» معطوف على ما قبله مجرور بالكسرة الظاهرة. والتاليات جمع تالية، اسم فاعل من تلا يتلو، والتلاوة هي القراءة المتتابعة المنظومة.
{ذِكْرًا}: مفعول به لاسم الفاعل «التاليات» منصوب بالفتحة الظاهرة، أو منصوب على نزع الخافض؛ أي تتلو بالذكر، أو مفعول مطلق مبين للنوع؛ أي تلاوة ذكر. والذكر: اسم للقرآن ولكتب الله ولكل تمجيد وتسبيح يذكر العقول بالحق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الترتيب البديع للأوصاف الثلاثة يمثل سلماً تصاعدياً في المقامات؛ فبدأ بالاصطفاف في العبادة {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}، ثم نزل إلى تدبير أمر الكون وزجر الشر {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا}، ثم ارتقى إلى أشرف الوظائف وأعلاها وهو حمل الوحي وتلاوة الذكر {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}، ليأتي بعده مباشرة جوهر الذكر وهو التوحيد في الآية اللاحقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انقطاع الاتصال بين الملأ الأعلى والأرض: يزعم الملاحدة والفلاسفة أن السماء معزولة عن الأرض ولا يمكن لعوالم الغيب أن تخاطب البشر بالوحي.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لوظيفة الرسالة والوساطة الملائكية: الملائكة كائنات لطيفة نوارنية خلقها الله لتكون جسراً بين عالم الغيب المحض وعالم الشهادة، ونزولها بالتلاوة والذكر {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} هو مقتضى حكمة الخالق في هداية عباده؛ إذ لا بد للمشرع الحكيم من إيصال دستوره للناس، وتلاوة الذكر وحفظه يقطع دعاوى التخبط والظلامية الفلسفية.