التحريض الإلهي والدعوة القرآنية الحارة لكل عاقل ليسابق ويبذل جهده ووقته في طاعة الله لنيل هذا النعيم؛ حيث يقرر الوحي (أو يقوله أهل الجنة): لمثل هذا النعيم المقيم، وهذا الفوز العظيم، والخلود الأبدي، والكرامة الفائقة، فليتسابق المتسابقون وليعمل العاملون في دار التكليف، فهو الغاية التي تستحق التضحية بكل لذة فانية ومكابدة كل مشقة عاجلة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 71)جامع البيانالطبري٢١/٧١: «يقول تعالى ذكره: لمثل هذا الذي أعطى الله أهل الجنة من النعيم والكرامة، فليعمل العاملون في الدنيا بطاعة الله، وتقديم الصالحات؛ فإن العمل له هو العمل الرابح، والكد في سبيله هو التجارة التي لن تبور، وعن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: هذا من كلام الله عز وجل حض به عباده على طاعته لنيل كرامة الجنة، وقيل: هو من كلام أهل الجنة».
وقال ابن كثير: «أي لمثل هذا النعيم وهذا الفوز، فليعمل العاملون في دار الدنيا ليدركوه في دار الآخرة».
وقال السعدي: «هذا حث من الله لعباده على التنافس في الطاعات، وبذل النفيس لنيل هذا النعيم، كما قال: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِمِثْلِ}: اللام حرف جر للتعليل أو الغاية، «مثل» مجرور بالكسرة متعلق بيعمل، ومثل مضاف.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والمشار إليه: النعيم والفوز المذكور.
{فَلْيَعْمَلِ}: الفاء فصيحة رابطة أو عاطفة، اللام لام الأمر الجازمة، «يعمل» فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{الْعَامِلُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. والأمر هنا للترغيب والحث والاستنهاض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النداء الاستنهاضي يتنزل ختاماً لمشهد الجنة الأخروي؛ فبعد أن أبهج النفوس بتفاصيل النعيم وقصة النجاة من القرين وإعلان الفوز العظيم، نقل الخطاب فوراً إلى الواقع الحي للمخاطبين في الدنيا: إذا كان هذا هو الجزاء، فها هو الميدان فاعملوا وسارعوا قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكاسل والاتكاء على الأماني المجردة والرحمة دون عمل: يقول المسوف: رحمة الله واسعة فلا حاجة للمشقة والتعب والعمل الصالح.
رد الشبهة بالمحاكمة الشرعية للربط بين الفوز والعمل الجاد: صرح القرآن بـ {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}؛ فالجنة سلعة الله الغالية ولا تُنال بالأماني الباطلة ولا بالكسل، بل بالعمل الدؤوب والإخلاص والصبر: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، والرحمة تنال باتباع أسبابها لا بمخالفة أمر الله.
تقديم الجار والمجرور {لِمِثْلِ هَٰذَا}: لإفادة الحصر والاهتمام؛ أي لهذا النعيم العظيم بالذات يجب أن تتوجه الهمم، لا للتنافس الرخيص على حطام الدنيا الزائل.
صيغة الأمر بلام الأمر {فَلْيَعْمَلِ} مع إظهار الفاعل {الْعَامِلُونَ}: فيه تعريض بأهل الغفلة الذين يبذلون قواهم في غير طائل، ودعوة لكل من فيه أهلية العمل أن يوجه طاقته للهدف الأسمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شحذ الهمة للعمل والإنتاج في مرضاة الله؛ فالعمر قصير والفرصة سانحة والسلعة هي الفردوس الأعلى: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة».
احتقار التنافس الدنيوي الصغير أمام التنافس الأخروي الكبير؛ فالعاقل لا يبني قصراً في الدنيا وهو يهدم قصره في الجنة.