تصوير العجز المطلق للشياطين والرجم الفوري لهم عند اقترابهم من حدود الملكوت؛ فالشياطين لا يستطيعون الإصغاء والاستماع إلى حديث الملائكة الكرام في الملأ الأعلى عندما يتحدثون بأمر الله ووحي السماء، بل يُرمون ويُرجمون بالشهب النارية من كل جهة يقصدونها في الفضاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 13)جامع البيانالطبري٢١/١٣: «يقول تعالى ذكره: لا تستطيع هذه الشياطين المردة أن تسمع إلى الملأ الأعلى؛ وهم الملائكة في السماء إذا نزل الوحي، ويقذفون من كل جانب؛ أي وترميهم الملائكة بالشهب الثواقب من كل جانب ومكان قصدوا السمع منه، طرداً لهم عن الاستماع».
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف {لَّا يَسَّمَّعُونَ} بتشديد السين والميم؛ وأصله: يتسمعون، فأدغمت التاء في السين للمبالغة في طلب السمع. وقرأ الباقون {لَا يَسْمَعُونَ} بتخفيف السين والميم من السمع المجرد.
وقال ابن عباس ومجاهد: «الملأ الأعلى: هم الملائكة وسكان السماوات».
وقال ابن كثير: «أي لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى وهو السماوات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى من شرعه وقدره، ويقذفون من كل جانب بالشهب لحرقهم وطردهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَّا}: نافية لا عمل لها، أو ناهية، أو «لا يسمعون» استئناف لبيان ثمرة الحفظ، أو في موضع نصب صفة لـ «كل شيطان» على المعنى؛ لأن شيطاناً مسبوق بكل الاستغراقية فهو جمع في المعنى، أو حال من الشياطين المفهومة من السياق.
{إِلَى الْمَلَإِ}: جار ومجرور متعلق بيسمعون؛ وضُمّن يسمعون معنى يصغون فلذلك عُدّي بـ «إلى». والملأ الأعلى: أهل السماء من الملائكة المقربين وأشراف الخلق.
{الْأَعْلَىٰ}: نعت للملأ مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
{وَيُقْذَفُونَ}: الواو عاطفة، «يقذفون» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل. والقذف: الرمي الشديد العنيف من بعد.
{مِن كُلِّ}: جار ومجرور متعلق بيقذفون.
{جَانِبٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة؛ أي من كل جهة وزاوية يرومون الصعود منها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل بديع لكيفية {وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ}؛ فبينت الآية النتيجة الحتمية للحفظ: انقطاع السمع تماماً {لَّا يَسَّمَّعُونَ}، ثم تصوير المشهد الدفاعي الحربي في السماء برجمهم ومطاردتهم بالشهب {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ}، لإظهار هوان الشياطين وذلهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعدية فعل السمع بـ «إلى»: كيف يقال «يسمعون إلى» والفعل يتعدى بنفسه أو باللام؟
رد الشبهة بالدقة البلاغية للتضمين النحوي: تضمين الفعل «يسمعون» معنى «يصغون» أو «يمدون أسماعهم» هو من أسرار الإعجاز البياني؛ ليدل على أنهم محرومون حتى من مجرد التكلف والمحاولة للإصغاء، فضلاً عن السماع الحقيقي، فالمنع محكم من أول خطوة.