مسك الختام والذروة العظمى لتنزيه الله وتقديسه المطلق؛ حيث تختم السورة المباركة بأعظم تسبيح وتنزيه لذات الله العلية التي حازت الملك التام والتصرف المطلق والقبضة القاهرة على كل ذرة في الوجود العلوي والسفلي، وتذكير جميع الخلائق بالمرجع الحتمي والمصير الأبدي إليه وحده ليقضي بين عباده بالعدل والقسط.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 653)جامع البيانالطبري٢٠/٦٥٣: «يقول تعالى ذكره: فتنزيه وتقديس وتبرئة للذي بيده خزائن كل شيء، ومفاتيح كل أمر، وتدبير كل مخلوق في السماوات والأرض لا شريك له فيه، وإليه ترجعون أيها الناس بعد مماتكم فيجازي كلاً بعمله؛ المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «الملكوت: هو الملك التام التام، واليد: إثبات القبضة والقدرة والتصرف التام لله تعالى».
وقرأ الجمهور {تُرْجَعُونَ} بضم التاء مبنياً للمجهول؛ أي تردون إلى حكمه وقضائه، وقرأ السلمي وأبو جعفر ويعقوب في رواية {تَرْجِعُونَ} بفتح التاء مبنياً للمعلوم.
وقال ابن كثير: «تسبيح وتنزيه وتقديس لنفسه الكريمة عن السوء والنقص، وبيان أن بيده ملكوت كل شيء؛ أي التصرف التام في خلقه وكونه، وإليه مصير العباد يوم المعاد ليحكم بينهم بالعدل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَسُبْحَانَ}: الفاء فصيحة أو استئنافية مفرعة على ما تقدم من البراهين، «سبحان» مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أسبح سبحان، منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
{بِيَدِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه. وإثبات اليد لله تعالى صفة ذاتية تليق بجلاله بلا تمثيل ولا تكييف عند أهل السنة.
{مَلَكُوتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف. والملكوت: مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت.
{كُلِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة وهو مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. وجملة المبتدأ والخبر صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{تُرْجَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختم الإلهي يتصل ببداية السورة ومقصدها اتثالاً مبهراً وبديعاً؛ فالسورة افتتحت بإثبات الرسالة والقرآن الحكيم وإنذار الغافلين ومصير الخلائق، ومضت تدلل على التوحيد والقدرة والبعث حتى بلغت الذروة بنفي الشريك والعجز وتصوير الإحياء بـ «كن فيكون»، فكان ختامها بـ {فَسُبْحَانَ} وتقرير الملكوت والمرجع الأبدي بمثابة الإحاطة التامة لجميع معاني التوحيد والرسالة والمعاد، ليتطابق البدء مع الختام في أروع سيمفونية قرآنية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم خروج أي ذرة أو حدث عن ملك الله وسيطرته: يزعم الملاحدة والمشركون أن الشرور أو المصادفات تحدث خارج المشيئة والملك الإلهي.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لصيغة المبالغة في الملكوت والعموم والاستيعاب في {كُلِّ شَيْءٍ}: كلمة {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تقطع كل شبهة وتنسف الثنائية الفلسفية؛ فكل حركة وسكون، وكل ذرة ومجرة، وكل خير وشر، واقع في ملك الله المطلق وتحت قبضته وتدبيره وحكمته البالغة، لا يخرج عن سلطانه مثقال خردلة، والمرجع إليه وحده دون سواه.
التفريع بالفاء في {فَسُبْحَانَ}: تدل على أن التسبيح والتنزيه نتيجة بديهية حتمية لكل تلك الأدلة والبراهين الساطعة التي تقدمت في السورة.
صيغة المبالغة {مَلَكُوتُ} بدلاً من «مُلك»: للدلالة على السعة والعظمة والاستيلاء القاهر على عوالم الغيب والشهادة والملكوت العلوي والسفلي.
تقديم الجار والمجرور في {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: قصر وحصر قطعي؛ أي إليه وحده لا إلى غيره رجوعكم ومرجعكم، وفيه وعد بالنعيم لأهل الطاعة ووعيد شديد لأهل المعصية والتكذيب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام تسبيح الله وتنزيهه وتقديسه في كل آن؛ فالتسبيح ختام سورة يس وقلب القرآن، وهو شعار أهل الجنة والمقربين.
اليقين بحتمية اللقاء والرجوع إلى الله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ مما يوقظ الهمم للعمل الصالح والاستعداد التام لليوم الذي يقف فيه العبد بين يدي مالك الملكوت ليوفيه حسابه.