تزكية اليهود والنصارى لأنفسهم: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٤٥٠)مصدر غير محدد٨/٤٥٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن الآية نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، وقالوا: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً}، وقالوا: {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ}؛ فمدحوا أنفسهم بالطهارة والنجاة بغير عمل صالح ولا إيمان بالحق.
تفسير الفتيل: أخرج الطبري عن ابن عباس وعطاء وقتادة قالوا: الفتيل هو الخيط الرقيق الذي يكون في شق نواة التمرة، يضرب به المثل في غاية الصغر والضآلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم
التزكية هنا هي المدح والثناء وتبرئة النفس من العيوب والشهادة لها بالصلاح والاستحقاق للجنة بالدعاوى الفارغة.
فَتِيلًا
الخيط الصغير الدقيق في بطن النواة.
أَلَمْ تَرَ
الهمزة للتعجيب، وترَ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة.
بَلِ
حرف إضراب وانتقال وإبطال لما ادعوه.
يُزَكِّي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة، واسم الجلالة فاعل.
فَتِيلًا
نائب عن المفعول المطلق أو مفعول به ثان ليظلمون (أي لا يظلمون شيئاً ولو كان قدر فتيل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما حذر الله من الشرك وبين عظيم جرمه، عرج على آفة نفسية كبرى تصيب المتدينين حين يستعلون بأنسابهم ودعاويهم؛ فبين بطلان هذا الغرور وأن التزكية الحقيقية بيد الله الخبير بالقلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان التزكية بالدعاوى المجردة: الآية تدحض المنطق الكهنوتي والطبقي الذي يزعم احتكار الجنة والخلاص لشعب أو عرق معين؛ فالنجاة عند الله ليست بالأماني ولا بالألقاب، بل بالإيمان الخالص والعمل الصالح؛ وتزكية الله لعباده إنما تكون بتوفيقهم للطاعة وتطهير قلوبهم بالحق.
الإضراب الإبطالي بـ {بَلِ}: إبطال قاطع لغرور أولئك الممتدحين؛ وإرجاع الأمر كله إلى ميزان الله العادل؛ فليس من يمدحه الناس أو يمدح نفسه هو الزكي، بل الزكي من زكاه الله في ميزانه القسط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجنب مدح النفس والتظاهر بالصلاح، والتزام التواضع وخوف مكر الله وعاقبة التقصير.
اليقين بأن كرم الله وعدله مطلق لا ينقص من عمل عامل مثقال فتيل.