تفسير السلف في اسم الإشارة {ذَٰلِكَ}: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٢٦٩)مصدر غير محدد٨/٢٦٩ عن قتادة والسدي ومجاهد قالوا: {وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ}: أي من يأكل الأموال بالباطل ويقتل النفس المحرمة عدواناً وظلماً، فهو وعيد لمن ارتكب ما نهى الله عنه في الآية السابقة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الجمع بين العدوان والظلم لتأكيد القصد؛ فالعدوان مجاوزة الحد عمداً، والظلم وضع الشيء في غير موضعه استكباراً وطغياناً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عُدْوَانًا
العدوان مجاوزة ما حد الله تعالى عمداً بغير جهل ولا شبهة، وانتهاك الحرمات بغياً.
ظُلْمًا
الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين بغير وجه حق.
نُصْلِيهِ
الإصلاء في اللغة هو الإدخال في النار والمباشرة لحرها وإحراقها.
يَسِيرًا
هيناً سهلاً لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.
وَمَن
اسم شرط جازم مبتدأ، و{يَفْعَلْ}: فعل الشرط مجزوم.
عُدْوَانًا
حال منصوبة، أو مفعول لأجله (أي لأجل العدوان والظلم).
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ
الفاء رابطة للجواب لدخول سوف، وسوف حرف استقبال للمبالغة في تأكيد الوعيد، ونصليه مضارع والهاء مفعول به أول، و{نَارًا} مفعول به ثان، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
كان واسمها وخبرها، والجار والمجرور متعلق بيسيراً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما نهى عن جريمتي أكل الأموال بالباطل وإزهاق النفوس، رتب على ذلك هذا الوعيد المزلزل لمن اقتحم هذه الكبائر متعمداً متجرئاً على الله؛ لإقامة الوازع الديني الرادع في القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة التقييد بـ {عُدْوَانًا وَظُلْمًا}: القيد هنا لإخراج المخطئ والناسي ومن أكره على الفعل؛ فإن من أخذ مال غيره خطأً أو قتل خطأً أو شبه عمد أو استهلك مالاً يظنه ماله، لا يدخل في هذا الوعيد الشديد، فالشريعة تبني المؤاخذة الأخروية على العمدية والنية الباغية، بينما تثبت الضمان المالي في الدنيا صيانة لحقوق الآدميين.
الوعيد بـ "سوف": تصدير الجواب بـ {فَسَوْفَ} يفيد التهديد الأكيد المستقر الذي لا مفر منه؛ فالتأخير الزمني لا يعني الإفلات من العقاب، بل هو إمهال يعقبه إهلاك وإصلاء.
تذييل الآية بـ {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}: لقطع أوهام المتكبرين الذين يعتزون بأموالهم وقبائلهم وجيوشهم؛ فقدرة الله لا يعجزها مخلوق، وعقابه نافذ بيسر وسرعة لا يتصورها العقل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الخوف من الجرأة على دماء المسلمين وأموالهم، واستحضار عذاب جهنم عند نزغات الطمع والشيطان.
تحري الحلال التام وتصفية الأموال من الشبهات قبل الوقوع في عقاب الله الأليم.