المراد بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: هم أحبار يهود المدينة وعلماؤهم (كحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ورفاعة بن زيد)، آتاهم الله حظاً وعلماً من التوراة فيها نعت النبي صلى الله عليه وسلم، فاستبدلوا بالكفر الإيمان، وباعوا الهدى بالضلالة حباً للرياسة وأكل الرشا وأموال الناس بالباطل.
روى الطبري (ج ٨، ص ٣٧٥)مصدر غير محدد٨/٣٧٥ عن ابن عباس قال: كانوا يحرصون بكل حيلة على رد المؤمنين عن دينهم وإيقاع الشكوك في قلوبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَصِيبًا
النصيب الحظ والقطعة من الشيء، والتنكير هنا للتبعيض؛ أي أوتوا قدراً من علم التوراة ولم يستوعبوا كمالها أو لم يعملوا بحقائقها.
يَشْتَرُونَ
الاشتراء هنا مجازي وهو الاستبدال والرغبة في أخذ الضلالة بدلاً من الهدى.
السَّبِيلَ
الطريق الواضح الموصل إلى الله وجنته، وهو صراط الإسلام المستقيم.
أَلَمْ تَرَ
الهمزة للاستفهام التعجيبي والتقريري، لم جازمة، ترَ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِلَى الَّذِينَ
جار ومجرور متعلق بـ "تر".
يَشْتَرُونَ
مضارع والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من "الذين" أو مستأنفة لبيان حالهم.
أَن تَضِلُّوا
مصدر مؤول مفعول به ليريدون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين القرآن أحكام الصلاة والطهارة وبناء المجتمع المسلم على الإخلاص واليقظة، التفت إلى كشف مؤامرات الخصوم المحيطين بالمدينة من أهل الكتاب الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر ويسعون لهدم عقيدتهم وتشتيت شملهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبيعة العداوة الممنهجة ضد الإسلام: الآية تقرر حقيقة فكرية وسلوكية؛ فالمنحرف لا يكتفي بضلال نفسه، بل تحركه رغبة جامحة في إضلال غيره، لأن وجود أهل الاستقامة يشكل إدانة حية دائمة لانحرافه، ولذلك تحرص قوى الضلال في كل عصر على تصدير شبهاتها وتشويه الحق ليضل المسلمون السبيل ويفقدوا هويتهم.
الاستعارة التصريحية في {يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ}: استعارة الشراء للاختيار الفاسد؛ فكما يدفع المشتري الثمن راغباً في السلعة، دفع هؤلاء دينهم وهداهم ثمناً لتحصيل الضلالة الفانية؛ فخسرت صفقتهم في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر التام من كيد المضللين ودعوات التشكيك في ثوابت الدين والشريعة.
التمسك بالحق والاستمساك بصراط الله المستقيم وعدم الانخداع بزخرف الأقوال الملبسة.