النفقة رياء والقرين الشيطاني: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٣٣٠)مصدر غير محدد٨/٣٣٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الآية نزلت في المنافقين ومشركي مكة الذين ينفقون أموالهم مباهاة وسمعة وطلباً للمحمدة عند الناس، وقلوبهم خاوية من الإيمان بالله واليوم الآخر.
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، رقم ١٩٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٠٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث أول ثلاثة تسعر بهم النار: «ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
رِئَاءَ
الرياء مشتق من الرؤية، وهو إظهار العمل الصالح ليرى الناس فضله فيحمدوه عليه دون إخلاص لله.
قَرِينًا
القرين هو الصاحب الملازم الذي لا يفارق، من المقارنة والاقتران.
فَسَاءَ قَرِينًا
بئس الصاحب الشرير الذي يورده موارد الهلاك والردى.
وَالَّذِينَ
الواو عاطفة، الذين معطوف على ما قبله في محل نصب أو رفع.
رِئَاءَ
مفعول لأجله منصوب (أي لأجل الرياء)، أو حال منصوبة (أي مرائين).
وَمَن يَكُنِ
اسم شرط جازم، يكن مضارع مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، واسمها ضمير أو الشيطان.
فَسَاءَ
الفاء رابطة للجواب، ساء فعل ماض للذم، والفاعل مستتر، و{قَرِينًا} تمييز منصوب، والمخصوص بالذم محذوف تقديره الشيطان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قابلت الآية الصنف الأول من المانعين للبذل بالبخل، بالصنف الثاني من الباذلين نفاقاً ورياء؛ فكلا الصنفين منحرف عن الجادة؛ فالأول حبس المال جشعاً، والثاني بذل المال نفاقاً وطلباً للجاه والشهرة؛ والمنهج القرآني الحق هو البذل الخالص ابتغاء وجه الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان العمل المشوب بالرياء عقلاً وشرعاً: العمل إذا تجرد من الإخلاص تحول إلى مظهر مسرحي زائف لا ثواب فيه؛ لأن الله هو الغني الحميد؛ فمن أشرك معه غيره في عمله تركه وشركه؛ كما دل الحديث القدسي في صحيح مسلم (رقم ٢٩٨٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٥: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
تصوير الاقتران بالشيطان: قوله {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} تشبيه بليغ لحال المرائي والمنافق؛ حيث صار الشيطان رفيقاً ملازماً له يزين له الباطل ويحبط عمله، والختم بـ {فَسَاءَ قَرِينًا} استقباح عظيم لهذه الصحبة المشؤومة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد النيات وإخلاص الأعمال والأموال لله وحده بعيداً عن أضواء الشهرة والرياء الاجتماعي.
الاستعاذة بالله من قرناء السوء ووساوس الشيطان التي تحبط ثواب الصدقات وتفسد القلوب.