سبب النزول واستثناء ابن أم مكتوم المعجز: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر}، رقم ٤٥٩١-٤٥٩٥) ومسلم في صحيحه (رقم ١٨٩٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٩٨ عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما نزلت: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادع لي زيداً وليجئ باللوح والدواة والكتف»، فجاء زيد فكتبها، فجاء عمرو بن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه وهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ضرير البصر، فكيف بي وأنا كفيف البصر لا أستطيع الجهاد؟! قال زيد: فغشيت النبي صلى الله عليه وسلم السكينة وثقلت فخذه على فخذي حتى خفت أن ترضّ فخذي، ثم سُري عنه فنزل قوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب يا زيد: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}».
القراءات القرآنية المتواترة في {غَيْرُ}:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {غَيْرُ} برفع الراء نعتاً لـ "القاعدون" أو بدلاً منه.
وقرأ حمزة والكسائي: {غَيْرِ} بجر الراء نعتاً لـ "المؤمنين".
وقرأ ابن محيصن بنصب الراء {غَيْرَ} على الاستثناء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْقَاعِدُونَ
المتخلفون عن الخروج للجهاد مع بقاء أصل إيمانهم وطاعتهم.
الضَّرَرِ
العاهة والزمانة المانعة من القتال كالعمى والعرج والزمانة والمرض المزمن.
الْحُسْنَىٰ
المثوبة الحسنى وهي الجنة ونعيمها.
لَّا يَسْتَوِي
لا نافية، يستوي مضارع مرفوع بضمة مقدرة.
الْقَاعِدُونَ
فاعل يستوي مرفوع بالواو.
غَيْرُ
نعت للقاعدون مرفوع (أو مجرور نعتاً للمؤمنين بحسب القراءة).
وَالْمُجَاهِدُونَ
معطوف على القاعدون.
دَرَجَةً
مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي تفضيلاً ذا درجة) أو تمييز أو حال.
وَكُلًّا
مفعول به مقدم لوعد، واسم الجلالة فاعل، و{الْحُسْنَىٰ}: مفعول به ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ميزان إلهي دقيق للدرجات والأعمال؛ يرفع منزلة المجاهدين المضحين بأنفسهم وأموالهم فوق القاعدين بغير عذر، وينصف أصحاب الأعذار الصادقين، ويحفظ لكل مؤمن عامل حقه في الجنة ({وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ}) لئلا يقنط أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع إشكال التفاوت بين قوله {دَرَجَةً} وقوله {دَرَجَاتٍ}: جمع المحققون كابن جرير وابن كثير بين التفضيلين:
التفضيل الأول ({عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً}): هو بين المجاهدين وبين القاعدين من أصحاب الأعذار (أولي الضرر) الذين حبسهم العذر بنياتهم الصادقة؛ فالمجاهد يفضلهم بدرجة المباشرة الفعلية للبلاء والقتال.
التفضيل الثاني ({دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً}): هو بين المجاهدين وبين القاعدين الأصحاء الذين تخلفوا في فرض الكفاية دون عذر مع بقاء إسلامهم؛ فللمجاهدين عليهم درجات ومنازل شاسعة في الجنة؛ وبذلك يتسق النظم القرآني بلا أدنى تعارض.
الاحتراس البلاغي والعدلي في {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ}: احتراس بديع لئلا يتوهم متوهم حرمان القاعدين المطيعين من دخول الجنة؛ فالجنة دار لجميع أهل الإيمان، والتفاضل واقع في المنازل والغرف والدرجات العلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التنافس في بذل النفس والمال لإعلاء كلمة الله والظفر بأعلى درجات الفردوس.
تطمين قلوب المرضى والعاجزين بأن نياتهم الصادقة تبلغهم أجور المجاهدين إذا حبسهم العذر الحقيقي.