موعظة ربانية بليغة تمس شغاف القلوب؛ موجهة للأولياء والأوصياء ومن يحضر الوصية عند الموت؛ تذكرهم بمصير ذرياتهم وأبنائهم من بعدهم؛ ليعاملوا يتامى الناس بما يحبون أن يُعامل به أطفالهم لو ماتوا وتركوهم صغاراً.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٦، ص٤٢٠)مصدر غير محدد٦/٤٢٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه من يحضره وهو يوصي بوصية تضر بورثته؛ يقول: تصدق بمالي كله، وافعل كذا وكذا! فأمرهم الله تعالى أن ينهوه عن الإضرار، ويأمروه بالعدل والوصية بالثلث فما دونه، وأن يخافوا على ذريته كما يخافون على ذرية أنفسهم".
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب رثاء النبي سعد بن خولة، رقم: ١٢٩٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٩٥ ومسلم (رقم: ١٦٢٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٢٨ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أراد أن يوصي بماله كله: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وليخش
أمر بالخشية والخوف من الله؛ والخشية أخص من الخوف لأنها خوف مقرون بالمعرفة والتعظيم.
ذرية ضعافاً
أطفالاً صغاراً عجزة لا يقدرون على الكسب وحماية أنفسهم.
قولاً سديداً
قولاً صائباً عدلاً موافقاً للحق والشرع لا جور فيه ولا إضرار؛ مأخوذ من السداد وهو إصابة الغرض واستقامة السهم.
لو شرطية امتناع لامتناع، تركوا ماض وفاعله، من خلفهم متعلق بتركوا.
ذُرِّيَّةً ضِعَافًا
ذرية مفعول به لتركوا، ضعافاً نعت منصوب.
خَافُوا عَلَيْهِمْ
جواب لو، خافوا ماض وفاعله، وعليهم متعلق بخافوا، وجملة لو وجوابها صلة الموصول أو معترضة. ومفعول يخش محذوف تقديره (الله، أو عذاب الله، أو ضياع يتاماهم).
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ
الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، اللام للأمر، يتقوا مضارع مجزوم بحذف النون، لفظ الجلالة مفعول به.
وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
معطوف عليه، قولاً مفعول مطلق، سديداً نعت منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم استثارة للوجدان البشري والعاطفة الأبوية في القرآن الكريم؛ فالإنسان بطبعه يخشى على أطفاله الصغار الضعاف أن يموت ويتركهم فريسة للضياع والفقر وظلم الناس؛ فوضع القرآن هذا الميزان النفسي الدقيق أمام أعين الأوصياء والشهود: تخيلوا أنفسكم مكان هذا الميت، وتخيلوا هؤلاء الأيتام هم أبناءكم الصغار! فكما تحبون أن يعاملهم الأوصياء بعدكم بالشفقة والرحمة والعدل وحفظ الأموال، فكذلك فعاملوا يتامى الناس! فـ "الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على قانون "العدالة التبادلية والجزاء الكوني":
تؤصل الآية لقانون سنني كوني في الاجتماع البشري: من رحم يتامى الناس وهيأ لهم أسباب الرشد والحماية، قيّض الله لأولاده من بعده من يرحمهم ويحفظ حقوقهم إذا مات؛ ومن ظلم يتامى الناس وسعى في أكل أموالهم سلط الله على ذريته من بعده من يظلمهم ويبددهم! فصيانة حقوق الضعفاء اليوم هي أعظم "بوليصة تأمين إلهية" لحفظ أولاد الإنسان في المستقبل (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٢٠٥؛ تفسير القرطبي، ج٥، ص٥٠).
الاستعارة التمثيلية المشهدية في قوله ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾: استحضار صورة الأطفال الصغار الضعفاء الذين لا حيلة لهم؛ لترقيق القلوب القاسية وتحريك لواعج الشفقة والرحمة في النفوس.
التنكير مع الوصف بـ ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يجمع بين السداد في الوصية للمحتضر بمنعه من الجور والوصية بما زاد عن الثلث، والسداد في مخاطبة اليتيم بالرفق واللين والعدل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه المحتضر إلى الاقتصاد في الوصية وعدم الإضرار بالورثة وتركهم أغنياء مستورين.
تقوى الله في رعاية الضعفاء؛ فإن حفظ أولاد العبد بعد موته معلق بتقواه وإحسانه لليتامى في حياته: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.