الفرز العقدي بين رايتين: قال السلف كابن عباس وقتادة ومجاهد: قسم الله أهل الأرض إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكر الإيمان يقاتل لإعلاء كلمة الله ونشر العدل وإقامة دينه، ومعسكر الكفر يقاتل لإعلاء الطاغوت ونشر البغي وإفساد الأرض؛ ثم أمر الله أولياءه بقتال أولياء الشيطان، وبشرهم بأن كيد الشيطان ومكره وجموعه ضعيفة واهنة أمام قوة الله وتأييده للمؤمنين.
أخرج الطبري (ج ٨، ص ٦٠٥)مصدر غير محدد٨/٦٠٥ أن الآية تتضمن تثبيتاً لقلوب المؤمنين وقطعاً للخوف من كثرة الكفار وعتادهم.
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أو تفريعية، قاتلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
أَوْلِيَاءَ
مفعول به منصوب.
إِنَّ كَيْدَ
إن واسمها، وكان واسمها ضمير مستتر يعود على الكيد، و{ضَعِيفًا}: خبر كان، والجملة خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وضع المفاصلة العقدية التامة؛ فبعد أن حض على القتال لتحرير المستضعفين، أوضح أن المعركة في حقيقتها معركة بين مشروعين: مشروع الرحمن ومشروع الشيطان؛ فكان هذا البيان أعظم دافع لشحذ همم المؤمنين وتثبيت قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة ضعف كيد الشيطان أمام قوة الإيمان: قد يرى الإنسان ضخامة الجيوش الكافرة وترسانتها العسكرية فيتوهم قوتها، ولكن القرآن يقرر حقيقة كونية قطعية: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}؛ لأن الباطل مهما انتفخ فهو أجوف لا يستند إلى أصل حق ولا يملك عقيدة صلبة تصمد أمام التضحية؛ فإذا اصطدم الباطل بقوة إيمانية صادقة متوكلة على الله تهاوى كبيت العنكبوت؛ فالضعف ذاتي ملازم للباطل، والقوة حقيقة ثابتة للحق بالله تعالى.
المقابلة الصريحة بين السبيلين والولايتين: مقابلة {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بـ {فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}، ومقابلة نصرة الله بقتال {أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ}؛ لرفع أي شبهة أو غموض عن طبيعة الصراع في الأرض.
التوكيد بـ "إن" و"كان": {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}؛ إثبات أزلي لصفة الضعف في جانب الباطل؛ فالله أزلاً وأبداً حكم على كيد إبليس بالخيبة والوهن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من الخوف من قوى الاستكبار والظلم؛ واليقين بأن كيدهم ضعيف مهزوم.
تصحيح بوصلة النضال والجهاد ليكون خالصاً لله ولإعلاء كلمته، بعيداً عن الرايات الجاهلية والتعصبات القومية.