سبب النزول ومطاردة المشركين بعد أحد في حمراء الأسد: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ١٧٠)مصدر غير محدد٩/١٧٠ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس وقتادة قالا: نزلت هذه الآية الكريمة صبيحة يوم أحد حين ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لمطاردة أبي سفيان وجيش مكة في غزوة حمراء الأسد، وكان بالمسلمين جراحات شديدة وآلام مثخنة، فشكوا ذلك، فأنزل الله تعالى زجراً عن الضعف وتقوية لعزائمهم: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}، فنهض المسلمون على جراحهم وخرجوا في طلب العدو حتى بلغوا حمراء الأسد فرعب المشركون ومضوا إلى مكة.
الكاف حرف تشبيه وجر، وما مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف (أي ألماً كألمكم).
وَتَرْجُونَ
الواو حالية، ترجون مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لموضع الفارق والرجحان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني العظيم هو قمة التعبئة النفسية وبناء الصمود المعنوي للجيوش؛ فبعد أن نظم أحكام الصلاة في الحرب، حظر الضعف والوهن في مطاردة العدو عبر موازنة عقلية ونفسية حاسمة ترفع الروح المعنوية وتكسر شوكة التعب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المعادلة النفسية في إدارة الصراع وتوازن الألم: الآية تضع قانوناً نفسياً خالداً في الصراع بين الحق والباطل:
١. الألم والجهد والجراح والمصائب تشترك فيها كل الأطراف المتصارعة على السواء؛ فالكافر يتألم ويجرح ويفقد أحبابه كما يتألم المؤمن تماماً.
٢. لكن الفارق الحاسم الذي يحسم المعركة ويكسر إرادة العدو هو "قوة الرجاء والعقيدة"؛ فالمؤمن يتألم وهو يرجو الجنة، ويرجو الشهادة، ويرجو نصر الله ورضوانه، بينما الكافر يتألم في سبيل باطل ولا يرجو بعد الموت إلا الهلاك والظلمات؛ فحين يستحضر المجاهد هذا الفارق تتلاشى آلامه وتتجدد طاقته للثبات والانتصار.
المقابلة والموازنة الدقيقة: المقابلة التامة بين حال الفريقين في الألم {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ}، ثم إفراد المؤمنين بعنصر الرجحان الفارق: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}؛ وهو أسلوب بياني فريد يبعث الأمل وينزع اليأس من النفوس.
التذييل بالعلم والحكمة: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}؛ عليم بما تكابدونه من الآلام والجراح، حكيم في أمره وابتلائه وتدبيره لمصالح أوليائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر والمصابرة في مواجهة الصعاب، وعدم إظهار الضعف والعجز أمام التحديات.
تعليق الرجاء بالله وحده واستحضار الأجر الأخروي عند نزول المكاره والمصائب في طريق الحق.