وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة ونون ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ من أقسط يقسط إذا عدل، ونصب ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ غير منونة لمنعها من الصرف للعدل والوصفية، ونصب ﴿فَوَاحِدَةً﴾ مفعولاً به لفعل محذوف تقديره (فانكحوا واحدة) أو رفعها (فواحدةٌ تكفيكم)، وتسكين نون ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ من عال يعول إذا جار ومال عن الحق وظلم، وقيل: إذا كثر عياله (التيسير، ص٩٤؛ النشر، ج٢، ص٢٥٩).
أسباب النزول وسياق الأثر:
التفسير النبوي الصريح المروي في أصح كتب السنة عن الصديقة عائشة رضي الله عنها لكشف سبب نزول الآية والربط المعجز بين كفالة اليتيمة وإباحة التعدد:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، رقم: ٤٥٧٣)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٧٣ ومسلم (كتاب التفسير، رقم: ٣٠١٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١٨ عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية، فقالت: "يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من صداق نسائها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في صداقهن فيبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ مثنى وثلاث ورباع".
وأخرج البخاري أيضاً (رقم: ٤٥٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٧٤ عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تقسطوا
الإقساط هو العدل والإنصاف؛ يقال: أقسط إذا عدل، وقسط (بغير همزة) إذا جار وظلم؛ فبينهما تضاد تام.
ما طاب لكم
ما حلّ ولذّ واستقام لكم من النساء؛ واستعمل (ما) هنا لصفات النساء لا لذواتهن، أو أطلقت على أولي العقل.
مثنى وثلاث ورباع
معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة؛ وتفيد إباحة الجمع بين زوجتين أو ثلاث أو أربع كحد أقصى لا يجوز تجاوزه.
ألا تعولوا
العول في لسان العرب الجور والظلم والميل عن الحق؛ يقال: عال الميزان إذا مال وجار، وعال الحاكم إذا ظلم، وقيل: ألا تكثر عيالكم فتفتقروا؛ والمعنى الأول (الجور) هو الراجح المعتمد عند جماهير المفسرين واللغويين.
وَإِنْ خِفْتُمْ
الواو استئنافية، إن شرطية جازمة، خفتم ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل.
أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ
أن مصدرية ناصبة ولا نافية، تقسطوا مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول مفعول به لخفتم، في اليتامى متعلق بتقسطوا.
فَانكِحُوا
الفاء رابطة لجواب الشرط، انكحوا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ
ما موصولية مفعول به، طاب ماض وفاعله مستتر ولكم متعلق به، من النساء متعلق بمحذوف حال، والجملة صلة الموصول.
مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
حال منصوبة بفتحة مقدرة على الألف (أو بدل مفصل من ما)، والواو عاطفة للتخيير والإباحة.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا
شرط ثانٍ، فإن خفتم ماض في محل جزم، ألا تعدلوا مفعول به للمصدر المؤول.
فَوَاحِدَةً
الفاء رابطة للجواب، واحدة مفعول به لفعل محذوف تقديره (فانكحوا واحدةً)، أو خبر لمبتدأ محذوف (فالواجب واحدةٌ).
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
معطوف على واحدة.
ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا
ذلك اسم إشارة مبتدأ، أدنى خبر مرفوع بضمة مقدرة، ألا تعولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض؛ أي أدنى إلى عدم الجور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التناسب التشريعي والاجتماعي بين كفالة اليتيمة ونظام التعدد؛ كان الرجل في الجاهلية يتحرج من ظلم اليتيمة إذا أراد نكاحها لئلا يبخسها مهرها، ولا يتحرج من نكاح عشرات النساء من غير اليتامى ويظلمهن ولا يعدل بينهن! فقال لهم القرآن: إن كنتم تتحرجون وتخافون من ظلم اليتيمة في صداقها، فكذلك فخافوا من ظلم سائر النساء، ولا تنكحوا منهن إلا ما تستطيعون العدل فيه من واحدة إلى أربع كحد أقصى! فإن خفتم عدم العدل بين الزوجات، فاقتصروا على زوجة واحدة؛ فالعدل هو شرط الإباحة والميزان الحاكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحقيق الفقهي والعقلي في "حظر الزيادة على أربع زوجات":
حاول بعض المبتدعة التلاعب بدلالة الآية فجمعوا الأعداد (٢ + ٣ + ٤ = ٩) وزعموا جواز نكاح تسع نسوة!
والرد اللغوي والفقهي الإجماعي الحاسم:
أولاً: صيغ (مَثنى، وثُلاث، ورُباع) معدولة تفيد التوزيع والتخيير للآحاد بإجماع أهل اللسان العربي؛ فإذا قال القائد للجيش: ادخلوا مثنى وثلاث ورباع، لم يفهم أحد أن يدخل تسعة معاً، بل يدخلوا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة.
ثانياً: تواترت السنة النبوية القولية والعملية وإجماع الصحابة على حظر الجمع بين أكثر من أربع؛ حيث أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" (أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم).
حكمة تشريع التعدد المشروط بالعدل: مصلحة اجتماعية وإنسانية كبرى لمعالجة زيادة عدد النساء في الحروب، ومنع تفشي الزنا، وكفالة الأرامل، وحفظ الأنساب، مع إغلاق الباب في وجه الظلم باشتراط العدل والقدرة المالية (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٣٢، ص١٦٠؛ أحكام القرآن لابن العربي، ج١، ص٣٤٠).
التعبير بـ (ما طاب) لا (من طاب): للدلالة على أن النكاح ينبغي أن يُبنى على استطابة الصفات الصالحة؛ كالدين والخلق والجمال والنسب، كما في الحديث: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".
صيغة الحصر والتقييد الصارم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾؛ نسف لكل ادعاء بأن التعدد شهوة مطلقة بلا قيود؛ فالعدل واجب قطعي، والخوف من الجور يوجب الاقتصار على الواحدة.
التذييل بـ ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾: توجيه العباد إلى أقرب الطرق وأسلمها للسلامة من المظالم والجور أمام محكمة العدل الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب العدل المطلق بين الزوجات في النفقة والمبيت والمعاملة؛ فمن مال إلى إحداهما وظلم الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل كما صح في الحديث.
الاقتصار على زوجة واحدة لمن لا يثق من نفسه بالعدل أو لا يملك القدرة المالية والبدنية الكافية.