استثناء العاجزين الحقيقيين عن الهجرة: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٩٥)مصدر غير محدد٩/٩٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت أنا وأمي ممن عذر الله في هذه الآية: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}، كنا بمكة من المستضعفين عاجزين عن النفقة والهجرة».
روى الطبري عن عكرمة ومجاهد أن المستضعف هو الزمن، والمريض، والمرأة الضعيفة، والصبي الصغير، والمأسور المقيد الذي لا يجد نفقة ولا دليلاً ولا وسيلة للخروج.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حِيلَةً
الحيلة القوة والقدرة والتصرف في تحصيل أسباب السفر والنفقة.
سَبِيلًا
طريقاً ومعرفة بالطرق والمسالك الموصلة إلى المدينة المنورة؛ لقلة بصرهم أو جهلهم بدروب الصحراء.
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ
إلا أداة استثناء، المستضعفين مستثنى منصوب بالياء.
مِنَ الرِّجَالِ
بيان للمستضعفين.
لَا يَسْتَطِيعُونَ
مضارع والواو فاعل، وجملة النفي في محل نصب نعت للمستضعفين (أو حال).
حِيلَةً
مفعول به منصوب، ومثله {سَبِيلًا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستثناء الإلهي الرحيم جاء ملاصقاً للوعيد السابق مباشرة؛ ليرفع الحرج والمشقة عن الضعفاء الحقيقيين الذين حبسهم القهر والعجز، تطبيقاً للقاعدة الربانية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
العدل الإلهي في التكليف والمسؤولية: الآية تبرهن على أن الإسلام لا يكلف العباد بالمستحيل؛ فالوعيد بالنار إنما توجه إلى القادر المفرط المخلد إلى الأرض، أما العاجز عن النفقة أو المحبوس قهراً أو الجاهل بالطريق فهو معذور شرعاً وعقلاً ومرفوع عنه الإثم، مما يبرز توازن التشريع وعدالته المطلقة.