أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٩٧-٤٠٥)مصدر غير محدد٩/٣٩٧ وابن كثير عن مجاهد وقتادة والسدي: كان الله قد أحل لبني إسرائيل طيبات كثيرة من بهيمة الأنعام والشحوم والطيور، فلما ظلموا واعتدوا حرم الله عليهم طيبات كانت حلالاً لهم، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا... ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
وبيّن ابن عباس أن صدّهم عن سبيل الله شمل صدهم أنفسهم عن الحق بالاستكبار، وصدهم غيرهم عن الإيمان بالتشكيك والترهيب وبث الشبهات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هَادُوا
تابوا ورجعوا، أو انتسبوا إلى يهوذا أحد أسباط بني إسرائيل.
طَيِّبَاتٍ
ما لذ وطاب من الأطعمة واللحوم والشحوم التي كانت مباحة في أصل شرعهم.
وَبِصَدِّهِمْ
الصد يستعمل لازماً بمعنى الإعراض، ومتعدياً بمعنى المنع والصرف؛ وكلاهما مراد.
كَثِيرًا
مفعول به للصد إن كان متعدياً، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي صدّاً كثيراً).
فَبِظُلْمٍ
الفاء عاطفة تفريعية، الباء حرف جر للسببية، ظلم اسم مجرور متعلق بحرمنا، وتنكيره للتهويل والتفظيع.
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا
متعلق بمحذوف نعت لظلم.
حَرَّمْنَا
فعل ماض مبني على السكون، ونا فاعل.
عَلَيْهِمْ
متعلق بحرمنا.
طَيِّبَاتٍ
مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
أُحِلَّتْ لَهُمْ
جملة فعلية مبنية للمجهول في محل نصب نعت لطيبات.
وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا
معطوف على بظلم، والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سنة الجزاء من جنس العمل والتضييق جزاء التمرد:
بعد أن فضح الله قبائحهم الكبرى في العقيدة وجنايتهم على الأنبياء؛ بيّن هنا أثر تلك المظالم في التشريع الدنيوي؛ حيث عاقبهم الله في شريعتهم بالحرمان من أطايب النعم بسبب بغيهم وظلمهم وعدوانهم على حقوق الخلق وصدهم عن سبيل الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل تحريم الطيبات يتنافى مع الرحمة الإلهية؟:
يدفع الإشكال: إن التحريم جاء عقوبة جزائية عادلة لترويض تلك النفوس العاتية؛ فالطبيب الحاذق قد يمنع المريض من أطايب الطعام لحمايته، والشارع الحكيم قد يحرم بعض المباحات على أمة متجبرة كسرى لعتوها وتذكيراً لها برداءة صنيعها؛ وقد امتن الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم برفع تلك الآصار والأغلال وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث بصورة دائمة.
تنكير {ظُلْمٍ} وتقديم الجار والمجرور للتعليل: تقديم {فَبِظُلْمٍ} على الفعل يفيد القصر والحصر، أي لم يكن التحريم تعنتاً ولا ظلماً من الله، بل كان مسبباً بسبب ظلمهم وتنكيره أفاد استعظام هذا الظلم وتشعبه في شتى مناحي حياتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من المعاصي والظلم، فإن الذنوب تزيل النعم وتجلب النقم وتضيق على العباد في معايشهم وأرزاقهم.
شكر الله على نعمة الشريعة المحمدية السمحة التي وسعت الأمة ورفعت عنها الأغلال والآصار.