النسخ وبيان السبيل: هذه الآية كانت في صدر الإسلام حين كان حد الزنا الحبس في البيوت والأذى، ثم نسخ ذلك بآية سورة النور (الجلد مائة) وبالسنة في الرجم للمحصن.
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الحدود، باب حد الزنا، رقم ١٦٩٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٩٠ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم».
روى الطبري (ج ٧، ص ٦٤٦)مصدر غير محدد٧/٦٤٦ وابن كثير (ج ٢، ص ٢٤٥)مصدر غير محدد٢/٢٤٥ عن قتادة والحسن ومجاهد أن "السبيل" الذي وعد الله به هو الحدود الشرعية التي استقرت في شريعة الإسلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَاللَّاتِي
اسم موصول لجمع المؤنث.
الْفَاحِشَةَ
الفعلة البالغة القبح المتجاوزة للحدود، والمراد بها هنا الزنا.
فَأَمْسِكُوهُنَّ
الإمساك الحبس والمنع من الخروج.
سَبِيلًا
طريقاً ومخرجاً تشريعياً للأمر.
وَاللَّاتِي
الواو استئنافية، اللاتي اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة: {فَاسْتَشْهِدُوا} ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط.
أَرْبَعَةً
مفعول به منصوب، وهو عدد مذكر لأن المعدود مذكر (شهداء).
مِّنكُمْ
متعلق بنعت لأربعة، أي أربعة من رجالكم المسلمين العدول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر سبحانه أحكام الأسرة والمواريث وحفظ الأنساب والأموال، ناسب ذلك بيان تشريعات صيانة الأعراض وقمع الفاحشة التي تهدم البيوت وتخلط الأنساب وتفسد نظام التوارث.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحكمة في اشتراط أربعة شهود: تفردت جريمة الزنا باشتراط أربعة شهود رجال عدول يرون الواقعة كرؤية الميل في المكحلة؛ والغاية التشريعية من ذلك هي الستر على الأعراض وغلق باب رمي المحصنات والشائعات، وحماية المجتمع من الهتك، فلا يثبت الحد إلا بالمجاهرة الفاضحة التي لا يمكن التستر عليها، أو بالإقرار الصريح المتكرر.
البشارة في قوله {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}: التعبير بـ "أو يجعل الله لهن سبيلا" فيه إشعار بالرحمة والتيسير والترقب لتشريع مستقر يرفع الحبس الدائم ويطهر المذنب، وهو تلطف إلهي بالأمة في مراحل التدرج التشريعي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة حرمات البيوت وحماية المجتمع المسلم من تفشي المنكرات.
التمسك بمنهج الستر وعفة اللسان وعدم الخوض في أعراض الناس إلا ببينة قاطعة حاسمة.