الدعوة إلى تدبر القرآن وبيان إعجازه التام: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٦٦٠-٦٧٠)مصدر غير محدد٨/٦٦٠ وابن أبي حاتم عن قتادة وابن عباس قالا: يحث الله عباده وخلقه على تدبر كتابه وتأمل معانيه وحججه وبراهينه؛ فلو كان هذا القرآن كلام بشر أو من عند غير الله لتناقضت أخباره، واضطربت أحكامه، وتباينت بلاغته وفصاحته بين القوة والضعف، ولكنه نزل من لدن حكيم حميد في غاية الإحكام والاتساق والكمال.
روى الطبري عن مجاهد قال: «التدبر هو النظر والتأمل في عواقب الكلام ومقاصده ومعانيه ودلائله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَدَبَّرُونَ
التدبر مأخوذ من الدُّبُر وهو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، ومجاوزة ظاهر اللفظ إلى فهم المعاني العميقة والمقاصد الكلية والتأمل في الاتساق.
اخْتِلَافًا
الاختلاف هو التناقض والتباين والتعارض بين الأجزاء؛ سواء في المعاني، أو صدق الأخبار، أو تفاوت البلاغة.
كَثِيرًا
وصف الاختلاف بالكثرة لبيان ما تقتضيه طبيعة النظم البشري من كثرة الزلل والاضطراب.
أَفَلَا
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الفاء عاطفة على مقدر (أي أيعرضون فلا يتدبرون؟)، لا نافية.
يَتَدَبَّرُونَ
مضارع والواو فاعل.
الْقُرْآنَ
مفعول به منصوب.
وَلَوْ كَانَ
الواو حالية، لو شرطية، كان واسمها مستتر يعود على القرآن.
مِن عِندِ
جار ومجرور خبر كان، وهو مضاف إلى غير.
لَوَجَدُوا
اللام واقعة في جواب لو، وجدوا فعل وفاعل والجواب لا محل له.
اخْتِلَافًا
مفعول به أول لوجدوا، و{كَثِيرًا}: نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
برهان عقلي وبلاغي حاسم على صدق النبوة وصحة القرآن؛ فبعد أن كشف سرائر المنافقين وتبييتهم وخفايا صدورهم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، دعاهم إلى التحدي الفكري الأكبر: تأملوا هذا الكتاب العظيم؛ فلن تجدوا فيه تناقضاً ولا اضطراباً، وهو أكبر دليل على أنه تنزيل رب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان المنطقي على ربانية القرآن الكريم: الآية تقيم دليلاً عقلياً قاطعاً لا يقبل النقض:
١. القرآن نزل منجماً مفرقاً على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، في ظروف متباينة: في السلم والحرب، في الرخاء والشدة، في مكة والمدينة، متناولاً العقائد، والتشريعات الدقيقة، والمواريث، والحروب، والغيوب الماضية والمستقبلية.
٢. ومن طبيعة البشر ونتاج العقل الإنساني أن يتغير ويتطور وينقض بعضه بعضاً، ويدخله التناقض والوهن والاضطراب والسهو خاصة في الكتابات الطويلة الممتدة عبر السنين.
٣. بقاء القرآن على نسق واحد من أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، وتصديق بعضه لبعض، وعدم وجود أي تعارض في حقائقه العلمية والتشريعية والأخلاقية والتاريخية برهان قاطع يدركه كل عاقل على أنه كلام رب العالمين المنزه عن النقص والخطأ.
الاستفهام الإنكاري التعجيبي: الاستفتاح بـ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} يقرع قلوب المعرضين؛ مبيناً أن الشبهات والشكوك إنما تنشأ من السطحية والجهل والعجلة، بينما التدبر الصادق يورث اليقين والإذعان.
التنكير الموصوف {اخْتِلَافًا كَثِيرًا}: إشارة إلى أن كلام البشر لا ينفك عن الاختلاف والتناقض الكثير، فسلامة القرآن المطلقة من أي اختلاف دليل على مصدره الإلهي المتعالي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تدبر القرآن الكريم وتأمل آياته في التلاوة والصلاة، وعدم الاكتفاء بمجرد سرد الحروف دون فقه وتأثر.
رد المتشابه إلى المحكم عند قراءة القرآن، واليقين بوحدة وتناسق نصوص الوحي الشريف.